التأمين ضد الزلازل

الكاتب : محمد فندي

الزلازل الكبيرة ككارثة طبيعية يمكن لها أن تأتي في ثواني معدودة على ما أنجزته البشرية خلال عقود عديدة. لا شك أن الزلازل الكبيرة ستسبب في تبعات اقتصادية لا حصر لها على أي مجتمع أو كيانات في الأماكن التي تضربها. هذا الأمر ولد الحاجة إلى توفير سبل دعم الإقتصاد والمواطنين خلال مرحلة الإستعداد وذلك بغرض سرعة التعافي وإعادة عجلة الإقتصاد إلى طبيعتها كما كانت قبل حدوث الكارثة الزلزالية. الوقائع أثبتت أن الزلازل الكارثية الكبيرة ستسبب في دمار كبير في مختلف المؤسسات الوطنية كتدمير المصانع وقطع وسائل النقل وفقدان الكثير من الأرواح وزيادة البطالة بفقدان معظم مواطني المناطق المتضررة وظائفهم علاوة على الأضرار البيئية الناتجة عن تراكم النفايات وما قد تحدثه من أوبئة لا يمكن تجاهلها الأمر اللذي سيشكل عبئا على الدولة. على ضوء ذلك من الضرورة الملحة إدراج التأمين ضد الزلازل ضمن استيراتيجيات إدارة المخاطر وذلك بهدف تقليص فترة التعافي إلى أدنى حد ممكن. لذا يعتبر التأمين ضد الدمار الناجم عن الزلازل موضوعا ينبغي دراسته بعناية، وذلك بسبب من حجم المخاطر المحتملة الغير متوقعة. كمثال على القيمة التي يحتمل أن تكون موضع إهتمام نعيد إلى الأذهان التقدير النسبي لقيمة الدمار الإجمالية لثلاثة زلازل كل على حدة مقدرة بالدولارات.
زلزال سان فرانسيسكوا المدمرعام 1906 اللذي بلغت قوته آنذاك 7.9 حسب مقياس قوة العزم (Mw)، بلغت الخسائر الإجمالية لهذا الزلزال نحو 400 مليون دولار آنذاك. أعقب هاذا الزلزال حرائق انتشرت على نطاق واسع في المدينة مسببة دمارا إضافيا لمنشآت المدينة التي صمدت بفعل الزلزال نفسه وأدت إلى ارتفاع كبير في أعداد الضحايا اللذي وصل إلى 3000 ضحية. فعل الزلزال نفسه إضافة إلى الحرائق التي تسبب بها والتي استمرت لعدة أيام أديا إلى تدمير 80% من مدينة سان فرانسيسكو، تتحمل الحرائق لوحدها نسبة 90% من الدمار الناجم.
زلزال ميسينا المدمر في صقلية بايطاليا عام 1908 اللذي بلغت قوته 7.1 واودى بحياة قرابة 80 الف انسان حيث تأثرت بالدمار بقوة المنطقة البالغ نصف قطرها 300 كيلومتر من مركز الزلزال. تسبب هاذا الزلزال في تولد أمواج تسونامي لاحقا بلغ ارتفاعها 13 مترا في السواحل المجاورة أدت الى تدمير أكثر من 90% من منشآت مدينة ميسينا. قدرت الخسائر الناجمة عن هاذا الزلزال آنذاك بما يعادل 116 مليون دولار بناء على معطيات الجمعية الجيولوجية في لندن 2001. الدمار الواسع اللذي وصل الى مسافة 300 كيلومتر من مركز الزلزال كان بسبب القابلية الكبيرة لمنشآت المدن والقرى الإيطالية للتأثر بالزلازل بشكل عام.
زلزال طوكيو المدمر عام 1923 اللذي تراوحت قوته بين 7.9 الى 8.2 حسب مقياس قوة العزم أدي إلى فقدان اكثر من 140 ألف حياتهم في مدن طوكيو ويوكوهاما إضافة إلى 40 الف مفقود اعتبروا في عداد الوفيات، وذلك بفعل الزلزال وما نجم عنه من حرائق لاحقا وتسونامي بلغ ارتفاعها 12 متر. احدث التقديرات للخسائر الناجمة عن هاذا الزلزال أشارت إلى ما يقارب الميار دولار آنذاك.
كل من هذه القيم الثلاثة يشتمل على الخسائر الناجمة عن الحرائق وأمواج الميناء (تسونامي) إضافة إلى عوامل هندسية مرتبطة بمدى قابلية تعرض المنشآت للمخاطر الزلزالية (Vulnerability to earthquakes destruction) إضافة إلى خصائص مواقع البناء الحركية، دون الأخذ بعين الإعتبار الخسائر الإضافية الناجمة عن التوابع الزلزالية (after shocks). ما يلاحظ أن نسبة الخسائر الناجمة عن العوامل الأخرى اللذي تتسبب بها الزلزال كالحرائق وأمواج الميناء كانت أكبر بكثير مما يتسبب به الزلزال نفسه.
زلزال فرانسيسكو عام 1906 أدى إلى إفلاس معظم شركات التأمين لعجزها عن التعويض عن الحرائق التي عمت المدينة سيما وأن سياسة التأمين ضد الحرائق آنذاك لم تكن تستبعد المخاطر الناجمة عن الحرائق التي تتسبب بها الزلازل. أما بالنسبة لإيطاليا فقد كانت خسائر التأمين ضد مخاطر الكوارث الطبيعية قليلة بسبب عدم قدرة شركات التأمين على إختراق السوق في هاذا الإتجاه إضافة الى غياب ثقافة التأمين ضد مخاطر الكوارث الطبيعية لدى عامة الناس. كما أن سياسة التأمين ضد مخاطر الكوارث الطبيعية في إيطاليا لم تكن الزامية لا في عام 1908 ولا في اوقات حدوث زلزال فريولي عام 1976 أو زلزال إيربينيا عام 1980.
في ما يتعلق بزلزال طوكيو عام 1923، عدد من شركات التأمين اليابانية إحتاطت لمثل هكذا حالات عند توقيعها على عقود التأمين ضد مخاطر الزلازل دون اشتمالها على الخسائر الناجمة عن الحرائق أو التسونامي وذلك قبل حدوث زلزال طوكيو مما حدى بالحكومة اليابانية للتدخل وتعويض المتضررين من المواطنين والمؤسسات المختلفة بما يعادل عشر إجمالي خسائرهم الأمر اللذي جعل المتضررين الكف عن المطالبة بالمزيد من التعويضات.
الأمر لا يتعلق بالخسائر الناجمة عن فعل الزلزال نفسه بل في عوامل أخرى يتسبب بها من الممكن جدا أن تكون أكثر كارثية من فعل الزلزال نفسه. هذه العوامل نلخصها في إمكانيات عالية لحدوث حرائق على نطاق واسع، أمواج تسونامي تجرف السواحل بكل ما عليها، خسائر إضافية ناجمة عن عدم الإلتزام بالمعايير الهندسية التي تجمعت لدينا من الدروس المستفادة من أفعال الزلازل كقابلية مواقع معينة للتضخيم الموجي الزلزالي إضافة إلى عوامل طبوغرافية وأخيرا الخسائر الناجمة عن التوابع الزلزالية (after shocks) سيما وأن كافة الزلازل تكون متبوعة بزلازل أخرى أقل قوة في سياق إستقرار الأرض بعد تحررها من الضغوطات الباطنية المتراكمة على مدى عقود وربما قرون.
بناء على ما سبق من الضروري للدول الممكن تعرضها لزلازل مدمرة وخاصة الدول ذات الإقتصاديات الفقيرة العمل على ايجاد صندوق قومي سيادي خاص بالتعويض عن الخسائر الناجمة عن الكوارث الطبيعية وعلى رأسها الزلازل حال حدوثها لا قدر الله، على أن يكون تمويله باستحداث ضريبة خفيفة على المواطنين على سبيل المثال إضافة إلى رفد هاذا الصندوق بنسبة معينة من المساعدات والمنح الخارجية.