من الملكية الى الجمهورية .. الثابت والمتغير في الدولة العراقية الحديثة

الكاتب : د. فواز موفق ذنون جاسم

يتفق اغلب الباحثين والمهتمين بالشأن العراقي ، بان الدولة العراقية الحديثة ومنذ نشأتها عام 1921 تعد اكثر الدول اضطرابا في محيطها الإقليمي ، هذا الاضطراب وعدم الاستقرار السياسي بدا واضحا في الفترة التي تلت انهيار الملكية عام 1958 وتأسيس الجمهورية ، فالنظام الملكي يصفه البعض بانه الأكثر استقرارا على المستوى السياسي سواء على مستوى الحكومة او على مستوى الحياة النيابية .
ويقدم مناصرو الملكية الرؤى والتحليل والعمل على رجحان كفة النظام الملكي من خلال الاسهاب في مزاياه ، سياسيا : يؤكدون على ان العراق في تلك الحقبة كان يتمتع بدستور ثابت ومؤسسات دستورية ناضجة وهو ما افتقر اليه العراق في الحقبة التي تلت اسقاط النظام الملكي والى يومنا هذا.
ولم يكن هناك صرعات سياسية واقتتال على السلطة مثل ماظهر ذلك في مرحلة مابعد الملكية ، وان جل الصراعات السياسية كانت بين الأحزاب السياسية والحكومة حول شكل العلاقة بين العراق وبريطانيا والمعاهدات التي ابرمت بين البلدين والتي تعتقد تلك الأحزاب بانها كانت غير منصفة للعراق وتجعله اكثر تبعية للمملكة المتحدة .
ومادمنا تحدنا عن الأحزاب السياسية ، فان الأحزاب في الحقبة الملكية كانت تتمتع بمصداقية كبيرة ثابتة في برامجها واهدافها ـ وطنية في توجهاتها وتملك ميزانيات معلومة من لدن السلطة والحكومة وهذه الميزة افتقرت اليها الأحزاب السياسية بعد عام 1958 .
اجتماعيا : على الرغم من التباين والتنوع الاجتماعي في مكونات العراق المختلفة الا ان التعايش كان اكثر وضوحا وتماسكا في المرحلة الملكية ولم تكن هناك اختناقات طائفية سواء من قبل السلطة او من الأحزاب السياسية او من عامة الشعب . وكان نظام التعليم من افضل الأنظمة التعليمية في المنطقة وكان ملهما لكثير من الدول ، الى الحد الذي وصل فيه العراق الى مراحل متقدمة في هذا النظام على كثير من الدول .
اقتصاديا : حقق العراق طفرات اقتصادية مهمة واصبح يعيش مرحلة الاكتفاء الذاتي ويصدر منتجاته كالارز والشعير والتمر الى مختلف الدول ناهيك عن الاريحية الاقتصادية التي عاشها العراق بفعل الثروة النفطية وإقامة العديد من المشاريع الاستراتيجية والتي مازالت شاخصة الى اليوم ولعل مجلس الاعمار خير شاهد على مانقول فهذا المجلس الذي تم إنشاؤه في بدايات الخمسينيات من القرن الماضي وقبيل سقوط الملكية بسنوات قليلة حقق ونفذ مشاريع لم تحققها كل أنظمة الحكم التي تلت النظام الملكي.
دفعت حالة اللا استقرار التي مرت بها أنظمة الحكم بعد النظام الملكي ، انصار الملكية الى تقديم رؤيتهم السياسية والتي اكدوا فيها الى ان الحكومات تبنى من خلال مسارين : الأول من خلال إرادة شعبية او من خلال افراد داخل السلطة السياسية او داخل المؤسسة العسكرية ، والحكومات التي تتشكل من خلال الارادات الشعبية تكون اكثر استقرارا في جميع مفاصل الدول وتكون اكثر قربا من الشعوب وطموحاتها ورغباتها ، اما الحكومات التي تنشأ من الانقلابات غالبا ماتكون غير مستقرة وتتجاذبها رياح التغييرات الداخلية والخارجية .
وتحقيق الإرادة الشعبية الشرط الأساس الذي يرتكز عليه انصار الملكية ، ويؤكدون ان الاستياء من بعض الرموز السياسية في العهد الملكي لايعني فقدان الثقة والتأييد الشعبي للنظام الملكي ، ولايعني كذلك القضاء على الاسرة الهاشمية وانهاء النظام الملكي في العراق .
ويعلل محبي النظام الملكي عدم الاستقرار السياسي في الفترة التي تلت عهدهم ، بغياب الإرادة الشعبية وان الشعب العراقي كان مغيب الإرادة عند اختيار النظام الجمهوري ، وغائب عن أي دور في التحولات والاحداث السياسية والسياسات المعتمدة من قبل أصحاب السلطة في النظام الجمهوري طيلة السنوات التي تلت الحكم الملكي ولم تمنح هذه السلطة الحقوق والحريات لشعوبها الا بقدر محدود .
لكن في المقابل الم يكن النظام الملكي يعاني من ثغرات ومشاكل جمة ؟ وهذا مايحاول انصار الجمهورية تسويقها رافضين الصورة الوردية التي يطلقونها مؤيدو الملكية مؤكدين على ان الحقبة الملكية اتسمت بمشاكل عديدة كالفقر والبطالة والامية والامراض وانتشار الاقطاعية فضلا عن الصراع السياسي بين الملك والحكومة وسلطة الاحتلال البريطاني .
كما يتهم انصار الجمهورية ، مؤيدو النظام الملكي بافتقارهم الى النضج والوعي السياسي وعدم تمسكهم بهويتهم الوطنية ، بدليل قبولهم بملك من خارج العراق جاءت به بريطانيا لتفرضه على العراقيين لحسابات وخطط استراتيجية سعت بريطانيا لتنفيذها في العراق والمنطقة العربية .
إضافة الى ذلك ، يتهم انصار الجمهورية النظام الملكي بتحالفه مع الاقطاع الذي كان يسيطر على 60% من الأراضي الزراعية في دولة كان الفلاحون يشكلون 70 % وعانوا من الظلم والقسوة والجوع دون ان تقدم لهم الحكومات في العهد الملكي أي حلول او يسعون الى انصافهم .كما يتهم المناصرون للجمهورية باتخاذ العنف وسيلة ضد الأقليات عندما قاموا بالتعامل مع المسألة الكردية والاشورية بالقوة المسلحة والقمع دون اللجوء الى الحوار وهذا ما أسس فيما بعد لمفهوم القوة في التعاطي مع القضايا القومية والاثنية .
ويستغرب مؤيدو النظام الجمهوري الحديث عن دستور دائم كان سائدا في العهد الملكي ويؤكدون أي دستور يتكلمون عنه وهو الدستور الذي تم خرقه 27 مرة طيلة السنوات 1931-1958 لصالح القوانين التي تعمل على تقوية السلطة وتبرير تجاوزاتها على المواطنين . اما النظام البرلماني فقد كان هشا ضعيفا تنازل عن قوته لصالح الحكومة ورموزها وسياسيها واهمهم واكثرهم دهاء نوري السعيد الذي تولى رئاسة الحكومة 14 مرة بدءا من عام 1930 الى عام 1958 وهذا مايبرر ذوي النظام الجمهوري افتقار العهد الملكي الى الديمقراطية الحقيقية بدليل تولي شخص واحد الوزارة العراقية مما يعطي تصور ممارسة نوري السعيد قبضته على السلطة لسنوات عدة وان كانت متفرقة .
واذا مااردنا وضع هذه المقارنة بين النظامين الملكي والجمهوري فلكل نظام خصائصه ، ولكل نظام سلبياته وإيجابياته لكننا نتفق ان نهاية العهد الملكي كانت بداية الصراعات والعنف السياسي والانقلابات العسكرية والثورة والثورة المضادة كحركة الشواف 1959 ومقتل عبد الكريم قاسم 1963 وانقلاب 1968 كل هذه الاحداث وغيرها خلفت وراها دماء سالت في شوراع العاصمة وبعض المدن العراقية .
اما الأحزاب السياسية فلم تعد مثل ماكانت بل ارتبطت اغلبها بالمصالح الحزبية الضيقة ولم تعد الأحزاب وسيلة للنضال السياسي وحمل الأفكار والرؤى السياسية بقدر مااصبحت وسيلة للكسب المادي ووسيلة للوصول الى السلطة .
واذا كان رئيس الحكومة يمارس دوره التنفيذي في العهد الملكي في ظل ملكية دستورية ، اصبح لرئيس الحكومة دور هامشي في مرحلة مابعد الملكية حتى عام 2003 فقد اضحى رئيس الجمهورية هو الحكم الفعلي الامر الناهي والعامل على اضعاف وتهميش السلطتين التشريعية والقضائية .
اقتصاديا : أدت الخطط الحكومية الفاشلة واقتصار التنمية الاقتصادية على المدن الى هجرات متلاحقة من الريف الى المدينة فتركت الأراضي الزراعية واهملت الأنهار وتراجع القطاع الزراعي الى درجة بات فيه العراق يستورد اغلب احتياجاته من الخارج ولم تعد الزراعة ذات شأن في بلاد الرافدين .
اجتماعيا : تراجع التعليم بشكل ملفت للانتباه ولم يعد العراق من الدول الجاذبة للزمالات والدراسة فيه بل اصبح بيئة طاردة للتعليم وتراجعت معدلات التعليم فيه واحتل العراق مواقع متدنية في ترتيب الدول ضمن مؤشرات الجودة في التعليم .
كما لم تعد المكونات الاجتماعية بذات القوة والتماسك التي كانت عليها سابقا ، وأصبحت السلطة الحاكمة تعمل على تقريب والاعتماد على مكونات معينة خاصة في الوظائف الحساسة في الدولة العراقية ..
و يعد الفساد السياسي والمالي من اهم المتغيرات التي طرأت على المجتمع السياسي العراقي فعلى الرغم من محدوديته في العهد الملكي ، شهد هذا المتغير بروزا واضحا وتصاعد بشكل كبير جدا في الفترات اللاحقة خاصة بعد عام 2003 .