ما بين الحلم والصبر

الكاتب : بيسان صلاح عبد ربه العجل

عُدْ إلى المُعجمِ واقرَأْ في مَعنى الحُلُم، تجِدُ أنَّه ما قد يُتَصوَّر أو يُتَخيَّل عند شخصٍ ما، ثم أبْصرْ حولك تجدُ أنَّ النَّاسَ قدْ حَمَّلوا أنفسَهم أحلامًا تنصفهم وتثبت وجودهم ولا تزال الحكمُ والنَّصائحُ تُدافع عنها وتُعزِّزُ في البشرِ رغبةَ بقاءِ هذا الحُلُم وحمايته مِنْ كلِّ ما قد يؤثِّر فيه وينهيه بل أنَّ أكثر الكتاباتِ اليوم إمَّا أن تكون مُعنَّونةً بالحُلُم وما يتبعه أو أنْ تحملَ بينَ ثناياها هذا الموضوع بطريقةٍ أو بأخرى .

هذا التَّصوُّرُ المُتَخيَّل المُتأرجَح المُسمَّى بالحُلُم قد يُصاغُ بأكثرِ من صورةٍ عند الناسِ، فقد نراه عملًا عند هذا وعلمًا يرجوه ذاك ، وعند غيره قد لا يخرجُ من دائرةِ شُعورٍ ما يَأمَلُه كالأمان والسلام مثلًا، وهذا التغيُّر في أحلامِ النَّاسِ لا يمنحنا الحقَّ في التَّقليل منها أو جعلها موضعًا للمفاضلة بين البشر.
هذا الحُلُم الَّذي وصَفَهُ مَحمود دَرويش فقال: "لا يُحَسُّ ولا يُمَسُّ/ ولا يَمُدُّ يدًا للمتلهفين الحائرين" لا يُمكن أنْ يأتي بسهولةٍ، إنَّك ومُنذُ أنْ تطأَ قدمك هذه الدنيا فقد كُتِبَ معكَ أمٌر لا بدَّ وأنْ تُحقِّقُه، وقد تختلفُ طرقُ الوصولِ إليه- فلا يمكن أن تكون واحدة - وكلُّ ما يُطلبُ منك هو أنْ تسعى في مَطلبك وأنْ تَقَعَ في دائرةٍ تَجْعلُ مِنك مُتَحيِّرًا مُتَغيِّرًا فلا يُكتملُ السَّعيُ إلّا بها.
إنِّي وإنْ ذَكرتُ الحُلمَ والسَّعيَ فواجبٌ عليَّ أن اذكر الصَّبر، خُلُقٌ كان أو طَبعٌ يُتطبَّع، هو بأيِّ صفةٍ واجبٌ لا يُكتملُ الحُلُم إلّا بهِ ومعَهُ وفيهِ يَصِلُ المَرءُ لما يُريد، فإنَّك إنْ عَزمْتَ على أمرٍ ما؛ فعَليّكَ أنْ تتهيَّأ لموجةٍ من المعاركِ الَّتي لا تُحلُّ إلا بالصَّبر. معادلةُ السَّعيِ والصَّبرِ للوصولِ لا يُمكن أن تَكتمِل إلّا بثقةٍ المَرءِ بنفسِه وإيمانِه الحقيقيّ بهدفِه وما يُريد تحقيقه دون تأثُّره بالمحبطاتِ حوله سواء كانت هذه المحبطات متمثِّلة بأفرادٍ أو بظروفٍ معيَّنةٍ، وهل خاب من وَثِقَ وآمنَ بنفسِه؟!
أين تَذهَبُ الأحلامُ غيَر المُكتملةِ؟ هل تموتُ؟ أم تُنسى وكأنَّها لم تكن؟ إنّا إذا ما فتَّشنا في تفاصيلِ الحياةِ سَتَجِدُ مجموعةً مِن الأحلام الّتي لم تتحقَّق لظروفٍ كانت أقوى من هذا الحُلُم وأخصُّ بالذِّكر هُنا ظروف الحروب الّتي تَهدمُ مُستقبلًا كاملًا وتَجعلُه منسيّ بطريقةٍ مزعجةٍ مؤلمة ٍغير مُتوقعةٍ؛ ولكن يُمكن أنْ يُولدُ الأملُ من رَحِم ِالمعاناةِ وأنْ يَكبُرَ هذا الحُلُم بطريقةٍ مختلفةٍ أو يَتحقَّق بأنْ يكون مُمَثَّلا بشخصٍ ما أحببناه ،وكلُّه لخيرٍ نجهله ولا نعلم تقاديره.

وقد تحدَّثتُ كثيرًا عن الأحلامِ وما تَحتاج من أسسٍ وقواعدَ، ولكنَّ النُّقطة الّتي تقوم عليها أحلامُنا كلُّها مصدرُها هو التَّقديرُ الإلهيُّ المجهولُ المحسومُ من عنده، والّذي لا يكون إلّا لخيرٍ سنعرفه وننظرُ في حكمته في وقتٍ مُقدَّر في حياتِنا عاجلًا كان أم آجلًا، ومع إيماننا القويّ بالوعدِ الحقّ في قوله تعالى:" وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ،وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ"