وزير التربية .. رِفقاً بالتّعليم

وزير التربية  ..  رِفقاً بالتّعليم

16-09-2020 03:27 PM

مثلما أنَّ الصحَّة أحد الركائز الأساسية في قيام حضارات الشعوب ، فالتعليم كذلك ، وينبغي أن يسيران بمستوىً وسويّة واحدة ، دون أن يطغى أحدهما على صِنوه ، أو أن يُسحَق أحدٌ لأجل الآخر ؛ وإلا تكون العملية تدوير أولويات يومٌ لك ويومٌ لي ، وهذا أبداً ما كان صحيحاً في يومٍ من الأيام ، فكلاهما يشكلان دعامة واحدة وتشارك حقيقي لبناء الحضارة ، ولا تغليب لإحداهما على الأخرى.


فلو رجعنا إلى ما قبل نصف قرن من الزمان ، لوجدنا كوادر وزارة الصحة من أطباء وممرضين دائمة التواجد بشكل دوري في المدارس في كافة مناطق المملكة على اختلاف توزيعها الجغرافي والديموغرافي رغم قلة الموارد المالية والبشرية ، حيث كانت تقدم الفحوصات الطبية للطلبة ، وتُعطي المطاعيم اللازمة لهم ؛ من خلال زيارات طبية نصف سنوية أو دورية وفقاً للصفوف ، أو إقامة أيَّام طبية مجانية في المدارس ، منها ما يُخصّصُ للطلبة ، ومنها ما هو لأبناء المناطق القريبة من المدرسة ؛ وما يُطمئننا أكثر أنّ بطاقة التطعيم أُعتبرت حينها شرطاً من شروط قبول الطالب في الصف الأول ، عندما لم تكن رياض الأطفال منتشرة آنذاك ؛ وهذا ما يؤكد أنَّ الصحة والتعليم عماد المجتمع.


كُلُّ هذا كان يجري ولا يزالُ – ولكن بفاعلية ومسؤولية أقل - على سبيل الوقاية المسبقة ، وتشخيص حالة الطلبة الصحية بشكل دائم ، من منطلق التعامل مع الطالب كأمانة يجب الحفاظ على سلامته وصحته ، وإعداده لغـد ومستقبل سليم ومشرق ؛ كُل هذا ولم تكن وقتها آفة كورونا على خريطة الفضاء الصحي للعالم.
التعليم يؤسّس لغرس البذرة الأولى ، والصحّة تهيّؤها وترعاها وتتفقّدها في كل مراحل تعليم الطالب لتقييم سلامة هذا الغرس ؛ مما يعني تلازميّة العلاقة بين التعليم المدرسي والصحة.


ما جرى منذ ما قبل العام الدراسي الحالي بأسبوع حتى الآن بالنسبة لوزارة التربية والتعليم ، أشبه ما يكون بالولادة المتعسّرة ، كلما شارف الجنين على الاختناق تُطلِق صرخةً في قرار أو قراراً في صرخة ، وكلما اشتدّ الحال الكوروني دخلت الوزارة في مخاضٍ جديد من الترتيبات الآنية والمؤقتة لتغيّر خططاً وتضع وتستبدل أخرى ، وتستدرك ما بقي لديها من رضا المجتمع بطروحاتٍ أقرب ما تكون إلى لعبة السلّم والحية ؛ المهم في كل ذلك رغم ما فيه من تجاذباتٍ وتناقضاتٍ وتعارضاتٍ هو الجنين ، وأقصد هنا الطالب ، فإما أن يولد من رحم المعاناة ويرى النور ، وإما أن يبقى يدور في فضاءٍ مظلم.


معالي الوزير .. بدأ العام الدراسي كما رتّبت الوزارة من خطط وهيكليات ، وعادت المدارس الى التعليم انطلاقاً من رؤيتكم الثاقبة في استكشاف المستقبل ، وتحمّل النّاس في كل بقعة تبعات هذه الخطط مهما كان نوعها وحجمها وأبعادها ، لأجل غايةٍ واحدة فقط هي أبناؤهم ، فقد شدّوا على أيديكم ، وحزموا طاقاتهم ليتأقلموا مع القرار ؛ لكنهم فوجئوا بعد مرور أيامٍ على الدوام ، عندما بدأ الاعلان تلو الاعلان عن حالات كورونا جديدة ، امتدت بين يومٍ وليلة لتغزو مناطق ليست بالحسبان ؛ حينها بدأت تتعسّر الولادة من جديد ، لتطرح الوزارة حينها وقف دوام الطلبة في مناطق معينة ، ووقف دوام بعض المدارس كذلك ، وظلّت تتعسّر وتزدادُ حرجاً ، حتى ظهرت معاليك ماسكاً لجام الأمر لتصرّح بقرارك الأخير بتحويل الطلبة للتعلم عن بعد باستثناء طلبة الصفوف (الأول والثاني والثالث) والتوجيهي.


معالي الوزير .. المشكلة ما عادت في التعليم عن بعد ، ونسبة ما يحققه من مخرجات تربوية وتعليمية مقارنةً مع التعليم المباشر ؛ المشكلة – مع كل الاحترام – أنّ التخطيط الاسترتيجي الذي انتهجته الوزارة كان فاشلاً ، فالتخطيط يجب أن يكون بعيد المدى ، وأن يأخذ في الاعتبار جميع التغيرات والتوقعات والمعيقات ، وأن يضعَ الحلول البديلة والممكنة ؛ فما المشكلة لو بدأ العام الدراسي منذ مطلعه بإعلان التعلم عن بعد في كافة الصفوف؟ ولماذا كل هذه الترتيبات (ثلاثة أيام ويومين ، دوام كامل وشبه كامل) التي أربكت المدارس وقلبت حياة النّاس وغيّرت ملامح حياتهم وحركتهم؟ لماذا يكون تخطيطنا بهذه الصورة والاستهانة بطلابنا لنفاجأ بعد أسبوعٍ أو اثنين من العام الدراسي أنّنا عُدنا من جديد إلى الإرباك في منازلنا والقلق على مصير أبنائنا بعد أن أعطيتموهم الأمل ورسمتم الفرح على وجوههم؟ ولماذا يبقى الطالب هو الخاسر دائماً في حساباتنا؟


معالي الوزير .. تقارير منظمة الصحة العالمية وغيرها من مؤسسات الصحة الدولية والمختصين ومراكز الأبحاث والدراسات التي عُنيت بشأن كورونا جميعها كانت تُشير إلى امتداد تفشي هذا الوباء إلى أمـدٍ غير معروف ، حيث أشارت مسؤولة سابقة في وزارة الأمن الداخلي الأمريكية جولييت كاييم في مقالٍ لها نُشِر في مجلة The atlantic وبالاستناد الى معايير الصحة العامة بقولها: إنّ القضاء على وباء كورونا لن يتسنى قبل مرور 18 شهراً اخرى ، وفي دراسة أصدرتها جامعة أمبيريال كوليدج لندن الانجليزية قالت: إنّه من الممكن مكافحة فيروس كورونا المستجد خلال 18 شهراً ، كما بيّن مارك وولهاوس أستاذ علم الأوبئة والأمراض المعدية في جامعة إدنبرة بقوله: لدينا مشكلة كبيرة في ما يتعلق باستراتيجية التخلص من المرض وكيفية تحقيق ذلك ؛ هذه وغيرها الكثير من المؤشرات – مهما كانت درجة صدقها - كان يجب أخذها بالاعتبار في تخطيطكم ، وعدم الزج بأبنائنا في طريقٍ تعلمون أنّه غير واضح المعالم على الأقل في الظروف الحالية ، وأنّ عودة الوباء محتملة.


معالي الوزير .. الطلبة أمانةٌ ، والتخطيط لمستقبلهم مسؤولية ، ولا شك أنّ العبء عليك ثقيل والمسؤوليات كبيرة ، ويقدّر لك الجميع جهودك المضنية ومساعيك الطيبة ، لكن لا أحد منّا يعفيك من مسؤوليتك عن مصير التعليم وقيمته التي بدأت بالانحدار في نفوس أبنائنا ، فتكوّنت لديهم عقدة نفسية من شيء اسمه التعليم ؛ والخوف كلّ الخوف أن يُمحى من عقولهم وأذهانهم مع تقادم الأيّام.


معالي الوزير .. أعتقد أن قراركم بعودة الدوام وفق خطة الدوام التي تمت ربما كان موفقاً ، وما حال دون نجاعته هو أنّ مدارسنا لم تكن مهيّأة بالشكل الكامل للانسجام مع عملية التطبيق ، ولم تتم عمليات مراقبة المدارس بالشكل الصحيح.


في النهاية أتساءل كما يتساءل الكثيرون ، هل قراركم يضمن عدم اختلاط الطلبة ، ويكفل عدم تعرضهم للإصابة بهذا الفيروس؟ وهل طلاب الصفوف الثلاثة الأولى على درجة كافية من الوعي لإدراك أثر ذلك الاختلاط ، خاصة فيما يتعلق بطلبة المدارس الخاصة ممّن يستخدمون الحافلات المدرسية؟ وهل سيأتي اليوم الذي يُعلن فيه عن وقف التعليم في كافة المدارس ولجميع الصفوف؟ وإلى متى سنبقى نُلقي بالمسؤولية على الظروف؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

مبادرة تطوعية في العقبة .. تنظيف طرق وطلاء أرصفة وصيانة مرافق

70% من النواب قيّموا أداء حكومة حسان بين المتوسط والمرتفع جدا

الأردن يتقدم 13 مرتبة خلال عامين في مؤشر الابتكار العالمي

رئيس اليمن يعلن التحرك العسكري لاستعادة المناطق الخاضعة للحوثيين

مبادرة "لمدرستي أنتمي" .. حراك ميداني لوزير التربية في العقبة

الحكومة: حزمة مشاريع كبرى دخلت الخدمة وأخرى قيد الإنجاز ضمن برنامج التحديث الاقتصادي

رقم قياسي جديد في العقبة .. مناولة أكثر من 107 آلاف حاوية خلال أيلول

الجغبير رئيسا وسختيان نائبا .. نتائج أولى جلسات مجلس إدارة غرفة صناعة عمان

الإفراج عن 442 موقوفا إداريا في الأردن

استئناف أعمال حفر مشروع "سوفا 53" بريف القنيطرة .. تفاصيل

بورصة عمان تغلق على تراجع بضغط من القطاعين المالي والخدمات

رسائل أردنية هامة حول مستقبل الإعلام الرقمي والتوازن المطلوب

اكبر إنجازات مجالس الأمناء والإدارات الجامعية…رفع أسعار الساعات .. على حساب الطالب!

فريق "إمكان الإسكان" يشارك في فعاليات مهرجان الطفولة بمركز زها الثقافي

تهنئة لـ أيهم التميمي بمناسبة التخرج

وقائع مروعة تهز الأردن .. تفاصيل تقشعر لها الأبدان

متى يصل أول منخفض جوي إلى الأردن؟ أحدث الخرائط تكشف ما ينتظر المملكة

القوات المسلحة تفتح باب الانتساب والشروط للذكور .. رابط

من هو مساعد طيار فلاي دبي؟ القصة الكاملة من حادثة الطعن الى الهبوط

السوسنة تتتبع نزاع «بن العميد» في الأردن والكويت .. القصة الكاملة

مقتل الأردني محمد الحشايشة في شيكاغو .. تفاصيل اللحظات الأخيرة داخل متجره

تنكة الزيت قد تتجاوز 100 دينار .. وارتفاع مرتقب لأجور العصر

مزاعم بضرب الأردن من إيران .. وطهران تنفي

بعد اختراق FBI .. الأردن يطيح بعضو بارز في مجموعة قرصنة وابتزاز رقمي

وسم 2030 بلا نقاب يشعل الجدل .. ما القصة ومن أطلق الحملة

إرادة ملكية وتغييرات إدارية موسعة في التربية والضرائب .. تفاصيل

حشد 100 ألف جندي .. السعودية تجهز ضربة عسكرية واسعة للحوثيين

هآرتس: وثيقة إسرائيلية تصنف مصر والأردن "عدوتان"

طالب يعتدي على معلم بالمنشار بعد ملاحقته إلى المسجد في الزرقاء

الأردنيون أمام تسعيرة جديدة للذهب .. كم بلغ عيار 21