عاجل

تطورات جديدة للمنخفض الجوي وإعلان حالة الطوارئ .. تفاصيل

النفاق الاجتماعي

الكاتب : الأب عماد الطوال

تتفشى العديد من الظواهر السلبية والأوبئة الاجتماعية الخطيرة في المجتمع، ومن بين هذه الظواهر والأوبئة ظاهرة النفاق الاجتماعي، بالنسبة لأولئك الذين لا يعرفون ذلك بعد، يمكن تعريف النفاق على أنه حالة من التناقض بين معتقدات المرء ومشاعره المُعلنة، حيث تعتبر المصالح الشخصية هي السبب الأكثر وضوحاً للنفاق، فمن الناحية العملية يعد النفاق أيضاً سمة للسلوك داخل بيئة العمل حيث تكون الترقيات على المحك، أو عندما يُفترض أن العلاقات الاجتماعية والقبول أكثر أهمية للناس من الكشف عن آرائهم. 

الرأي السائد عموماً هو أن النفاق فشل أخلاقي، في الواقع، غالباً ما يُنظر إليه على أنه أحد أسوأ الإخفاقات الأخلاقية، ومع ذلك، سنصادف كل يوم هؤلاء المنافقون الذين يقولون شيئاً ويفعلون شيئاً آخر، سنصادف أناساً غير صادقين وأناساً غير أمناء، لكننا بالتأكيد سنصادف أيضاً أناساً عظماء وعقولاً نزيهة وعظيمة. 
 
ما جعلني أتطرق لهذه الظاهرة هو السلوك العام للمجتمع فقد طغى النفاق الاجتماعي على حياتنا في العمل والعلاقات وحتى في الصداقات، بدأنا نثق بالمظاهر ونهمل الجوهر، نحارب الصدق ونفخر بالأكاذيب، والأخيرة تسود هذه الأيام بأسماء وألقاب مختلفة، والغايات تبرر الوسيلة، بمعنى آخر أصبحت الغالبية العظمى أساتذة في النفاق والتملق، وفوق كل ذلك، تخلينا عن قيمنا الإنسانية والدينية النبيلة.
 
ندرك جيداً أننا كبشر لسنا كاملين، ولن نكون كاملين أبداً، فنحن نعيش في عالم يتم فيه الحكم علينا وانتقادنا باستمرار، في مكان نحاول أن نتلاءم فيه، سواء كان ذلك في العمل أو المنزل أو أي مناسبة اجتماعية، مع ما يراه الآخرون مقبولاً وما تجده وسائل التواصل الاجتماعي عصرياً، فأصبح المجتمع اليوم مجالاً خصبا للنفاق الاجتماعي المتجسد بأشكال عديدة، سواء أكان ذلك من خلال الإطراءات المستمرة البعيدة عن الواقع، حيث أصبحت المجاملة عادة اجتماعية يلجأ إليها الناس في معظم علاقاتهم، خاصة في علاقات العمل ومع كل من يملك القوة والتأثير، أو من خلال كل تلك الأفراح والمناسبات الباهظة، فغدت قيمة الإنسان في هذه الأيام تُقاس بالمادة، سيقول البعض أن هناك أوقاتاً وظروفاً لا يكون فيها الصدق والنزاهة هو السياسة الفضلى، وهذا يؤكد أننا نعيش في مجتمع نشجع فيه على الكذب، ومع ذلك نقول أننا نقدر الصدق. 
 
يتفق الكثيرون على أننا كمجتمع ندّعي بأننا نقدر الصدق، ولكن ما يحدث في مجتمعنا هو أمر مؤلم ومحزن ومقلق حقاً، يخدعنا المظهر، ويجذبنا إلى أي مادة لامعة، فأصبح الصدق والنزاهة عملة نادرة، والنفاق الآن هو العلامة التجارية الاجتماعية الأولى، أي شخص يختار في الوقت الحاضر أن يعيش وفقاً للمبادئ الإنسانية مثل الأمانة والنزاهة والأخلاق والفضائل سيتم اعتباره شخصاً غريباً ومتمرداً وليس مواكباً لـلعالم الحديث، هكذا تبين لنا.
 
ألم يحن الوقت لكي نستيقظ من هذا الكابوس؟ ألم يحن الوقت لأن نتخلى عن هذا المرض الاجتماعي الذي تسبب في ضرر أكبر من أي ظاهرة أخرى في مجتمعنا؟ لقد قسّمنا النفاق الاجتماعي، وفصلنا عن بعضنا البعض، ووسع الفجوة بين طبقات المجتمع، فلم نُعد نُقدّر الآخرين على ما هم عليه، أصبحت نظرتنا مادية وضحلة للغاية، فعلى سبيل المثال أصبح من السهل تبرير العديد من رغباتنا التي لم تتحقق للتبرع للجمعيات الخيرية وميولنا لمساعدة شخص غريب محتاج بإخبار أنفسنا أننا لا نستطيع القيام بذلك الآن.
 
نحن ندفع ثمناً باهظاً للنفاق، فهو يضعف شعورنا باحترام الذات والنزاهة، أتساءل ما الذي يمنعنا من المضي قدماً وبناء مجتمع قائم على أسس جديدة تعزز التفكير العقلاني الصادق وتعزز القيم الحضارية والأخلاقية، من المهم بالنسبة لنا أن نحافظ على كلماتنا وأفعالنا متطابقة مع أفكارنا ومعتقداتنا، فلماذا نكبح أنفسنا!.