عاجل

تحذير للمواطنين من الحالة الجوية .. تفاصيل

أمريكا التي تحبنا .. العبيد أحمد مروح

1. في أوائل ثمانينيات القرن الماضي ، ونحن نبدأ المرحلة الدراسية في جامعة الخرطوم ، ونتعرف على النشاط السياسي والثقافي متعدد الألوان والمشارب، كان ممّا لفت انتباهي إصرار متحدثي "الجبهة الديمقراطية" في أركان نقاشهم وصحفهم الحائطية، على انتقاد مَن يُطلقون إسم "أمريكا" على الولايات المتحدة الأمريكية. كانوا يقولون إن لفظ "أمريكا" هو إسم لقارتين، شمالية وجنوبية، وأنه حتى أمريكا الشمالية لا تمثل الولايات المتحدة الدولة الأكبر حجماً فيها، إنما كندا، وكأنهم يريدون القول أنه لا يجوز إطلاق هذا الإسم الكبير على تلك "الدويلة" !!

 
ولم نكن نعرف - ونحن بعدُ طلاباً في السنة الأولى - أن ذلك كان جزءاً من ثقافة "الحرب الباردة" التي يخوضها "الإتحاد السوفيتي العظيم" زعيم الكتلة الإشتراكية، ضد الولايات المتحدة الأمريكية زعيمة الكتلة الرأسمالية. ولذا لزم التنويه أن لفظة "أمريكا" التي جاءت في عنوان هذا المقال إنما تعني، الولايات المتحدة الأمريكية، شاء مَن شاء  وأبى مَن أبى !!
 
2. في المقولات الكلاسيكية لعلم الصحافة، وتحديداً الأخبار، يُقال إنه "إذا عضّ كلبٌ رجلاً فهذا ليس بخبر، إنما لو عضّ رجل كلباً يصبح هذا هو الخبر" ؛ فالخبر إذن هو الشئ غير المعتاد. وبهذا المنطق فإنه لو أحبّ شعبُ بلدٍ ما أمريكا فإن هذا ليس بخبر، إنما لو أحبت أمريكا شعبَ بلدِ ما فهذا هو الخبر . كيف لا وأمريكا ما تزال تمثل لمئات الملايين من الناس حول العالم أرض الأحلام التي يتوقون للوصول إليها ولكنها تستعصي ويتمنّع أولياءها بشتى أشكال المنع ، وآخرها إقامة الجدار العازل بينها وبين المكسيك. 
 
وتجسيداً لهذا الحُب الذي يبدو للوهلة الأولى غريباً، حملت نهايات العام 2020 خبراً بارزاً هو إعلان سيدة العالم الحُر ،وإن شئتم الرأسمالي، وقوعها في حب السودان والسودانيين ،وتواصل سيد البيت الأبيض ووزير خارجيته مع زعماء بلدانا لتأكيد هذه المحبّة !!
 
3. قصة الغرام الأمريكي بالسودان ليست جديدة، لمن يقرأون التاريخ بتدبُّر ، فالسودان الذي كان الأكبر مساحة في قارته الأفريقية وفي عالمه العربي، والسودان الغني بثرواته على ظاهر الأرض وفي باطنها، يشبه أمريكا في كثير من تفاصيله، بما في ذلك تعدد أعراقه وكونه شعبٌ تشكل بالهجرات على مدى قرون، وكان يمكن أن يكون "ولايات متحدة أفريقية" لو أحسن آباءُ استقلاله ، قبل خمسة وستين عاماً ، إدارة شأنه وكيفية حكمه!!
 
ويبدو أن هذا الشبه، الذي بان في العيون ولم يعُد منه مهرب، هو ما يفسر لنا جانباً من قصة الحب تلك، ويلقي الضوء على الحفاوة التي أستقبل بها الرئيس كيندي نظيره السوداني إبراهيم عبود عندما زار هذا الأخير الولايات المتحدة الأمريكية في  1961. وعاد محملاً بالوعود السخية، فقد التزمت الولايات المتحدة حينها بتعبيد طريق مدني- الخرطوم بمسارين في كل إتجاه، وبشق طريق من الخرطوم بمحاذاة النيل شمالاً ، لكن الدعاية السوفيتية وأبواقها المحليين صوّروا ذلك الكسب وكأن "أمريكا" تريد أن تقيم طرقاً عريضة لكي تستخدمها مهابط لطائراتها حينما تقرر غزو السودان، وشنوا حملة شعواء "نجحت" في وقف ذلك العون الأمريكي،  الذي لم يكسب السودان منه إلا  "شارع المعونة" !! 
 
4. لم يتأثر حُبُ السودانيين لأمريكا ، كثيراً ، بطبيعة الأنظمة التي تعاقبت على حكم بلادهم ، فعلى الرغم من سيطرة اليسار الشيوعي عبر انقلابه العسكري في مايو 1969 على مقاليد السلطة، واجتهاده في نبذ الرأسمالية واعتماد سياسة  التأميم والمصادرة،  وفي شيطنة كل ما هو "رأسمالي" ، وانحياز النظام الجديد إلى المعسكر الشرقي،  بقيت محبة السودان والسودانيين عند أمريكا ثابتة، وقد نجحت أمريكا - عبر أذرعها الإقليمية حينذاك - في تخليص السودان من "دكتاتورية الطبقة العاملة" في أقل من ثلاث سنوات، وبعد أن اطمأنت أمريكا لزوال الأثر اليساري من نظام مايو بدأ تدفق العون الأجنبي على السودان وشرعت شركة شيفرون في استخراج النفط من عدة حقول أبرزها أبوجابرة وحفرت أكثر من  (46) بئراً منتجة . 
 
وتكرر ذات السيناريو - مع الاختلافات التي اقتضتها طبيعة المرحلة - حين آلت السلطة في السودان للإسلاميين، فحاربتهم أمريكا بشتى أنواع الحروب واستخدمت وكلاءها الاقليميبن في ذلك ، إلى أن قضت على " النظام الإسلامي الذي يدعم الإرهاب "  فى أقل من ثلاثين عاماً.
 
على أنه طوال سنوات عمر السودان المستقل لم يثبت أن أمريكا بدّلت حبها لبلادنا وشعبها، إنما كانت تتمثل مقولة زعيم الفكر الجمهوري في السودان ، والتي نوردها هنا بتصرف :  "بلدكم محل حبنا، وأنظمتكم محل حربنا " !!
 
5.  "من الحُب ما قتل" . وهذه أيضاً مقولة كلاسيكية قديمة ، يسهر الخلق جرّاها ويختصمون، وما يعنينا منها هنا هو أن حب أمريكا الجارف  للسودان وشعبه، قتل منهم مَن قتل ، بالحرب المدعومة أمريكياً تارة وبالآثار الجانبية للحصار الإقتصادي الذي دام لربع قرن تارة أخرى، وتلك آثار يصعب تداركها إلا بمزيد من الحب! 
 
  لقد أرادت أمريكا،  و"المتحولون" سياسياً إلى الدوران في فلكها من حكامنا الجدد ، أن يقولوا للسودانيين إن التدمير الذي لحق بطائرات  خطوطكم الجوية وبناقلات سِككم الحديدة ، وحرم مرضاكم من الأجهزة الطبية التي تنتجها الشركات الأمريكية أو تساهم فيها، وحرم طلابكم وجامعاتكم من البرمجيات التي تنتجها الشركات الأمريكية ، وأقعد بنظامكم المصرفي وعزله من العالم ، ومنع أبناءكم في الخارج من تحويل مدخراتهم عبره .. إلخ،  إنما كان من باب التمسك بحبنا لكم والسعي لإزاحة النظام الذي بسط سيطرته على بلدكم وبقي حتى بعد أن نجحنا في تخليص ثلث البلاد  وثلثي ثرواتها من سيطرته. ولأننا نحبكم فنحن على استعداد أن نعيد إليكم كل ما سلبناه منكم ، بما في ذلك الجزء الذي فصلناه من بلدكم بشرط أن تكون عودتكم إلى بيت الطاعة نهائية وتوبتكم هذه المرة نصوحة !!
 
6. ستبقى أمريكا تحبنا، لأننا بلد مهم لسياستها في المنطقة الأفريقية والشرق أوسطية، وسيبقى شعبنا يحبها لأنه مثل  أغلبية شعوب العالم يتطلع إلى أن يصبح وطنه نموذجاً مصغراً للتعايس بين أعراقه وللتطور والتقدم الذي بلغته أمريكا ، لكن مشكلة أمريكا الأبدية في السودان هي أنها  كانت وما تزال تريد أن تُنصّب على رقاب السودانيين طبقةً من الحكام الذين يدينون لها بالولاء ولا يدينون بالولاء لشعبهم ، وهذا ما يجعل الحب بارداً ، ويحوّل الأحلام إلى كوابيس. ويكفي النموذج الذي فُجعت به أمريكا في جنوب السودان للاستدلال على صنيعها !! 
 
الآن تلوح أمام أمريكا ومحبوبها السودان فرصة ذهبية لإعادة الحياة إلى  قصة الغرام القديمة، وبعث الروح في جسدها المسجى ، لكن الطبطبة على الجراح وحدها لا تكفي لذلك . تحتاج أمريكا أن لا تكتفي بما يأتيها عبر أعين الراضين عن سياساتها وأفعالها وإنما أيضاً ، وربما الأهم، مما يأتيها من عيون الساخطين على أسلوبها في السودان وأهله.