عاجل

الخصاونة يصدر البلاغ رقم (5)

موقف المشرع الأردني من حماية النساء من جرائم العنف الأسري بين التشديد والتخفيف

الكاتب : ماوية العقاربة

 استقر الفقه الجنائي خاصة ومنذ صدورقانون العقوبات الفرنسي لعام 1810 ، على مبادئ يجب أن تقوم علبها التشريعات الجزائية ومن هذه المبادئ التي تقوم عليها التشريعات الجزائية إنه يجب على المشرع الجزائي أن يوازن بين المصالح المختلفة، كالموازنة فيما بين مصلحة وحق الدولة في فرض العقاب ومراعاة الروابط المجتمعية من جهة كالروابط الأسرية والرابطة الوظيفية مثلا فيقوم بالتخفيف أو التشديد من العقوبة مراعاة لهذه الروابط  ، والموازنة في منح الحماية الجزائية للضحايا بحسب حاجتهم فيقوم المشرع بالتشديد أحيانا لتوفير حماية أكبر للطرف الأضعف ، وهذا ما تبناه المشرع إلى حد ما حسب نوع الجريمة والسبب وراء ارتكابها وسنعرض في هذا المقال السياسة التي تبناها المشرع الأردني بالنسبة لجرائم العنف الأسري المرتكبة بحق النساء . 

أصدر المشرع الأردني ولغايات تكريس السياسة الجنائية التي تبناها لحماية الروابط الأسرية والمحافظة عليها من التفكك قانون الحماية من العنف الأسري ، والذي تم تعديله بموجب قانون رقم 15 لعام 2017 ، وبالرجوع لأحكام هذا القانون ، وفي نطاق تعريفه للجرائم التي تدخل في مفهوم العنف الأسري نجد أن المشرع لم يستحدث مفهوما جديدا لهذا النوع من الجرائم ، بل أن التعريف الذي وضعه المشرع هو بمثابة شروط لتحديد نطاق تطبيق هذا القانون أكثر من أن يكون تعريفا لهذا النوع من الجرائم، فوضع شرطين لذلك : أ - أن تكون الجريمة المرتكبة من ضمن الجرائم الماسة بالأشخاص كجرائم الايذاء أو الاغتصاب أو التهديد أو الجرائم الماسة بالشرف والاعتبار كجرائم الذم والقدح والتحقير ب - أن تكون الجريمة مرتكبة من أحد أفراد الأسرة على أي من أفراد الاسرة الآخرين (أي أن يكون الجاني والمجني عليه من ضمن الأسرة ذ
وبالتالي يلاحظ أن المشرع لم يتناول ضمن هذا القانون ظروف التشديد والتخفيف في نطاق تكريس الحماية الجنائية الأسرة بل اكتفى بما ورد في حدود قانون العقوبات ، وبالرجوع إلى قانون العقوبات نجد أنه تعرض لدور النصوص الجزائية في توفير الحماية الجزائية للمرأة ضمن نطاق الروابط الأسرية ، في عدة مواضع تشدد في جزء منها وخفف من مقدار العقوبة في جزء آخر . 
 
أ - جرائم القتل : 
 
فرض المشرع عند تجريمه لجريمة القتل عقوبة ثابتة لم تتراوح بين حد أدنى أو أعلى ، ثم بعد ذلك وضع نصوصا قانونية لتشديد العقوبة المفروضة على جريمة القتل إذا توافرت الشروط القانونية للظروف المشددة التي حددها المشرع ، ومن ضمن الظروف المشددة هي في حال قتل الأصول ، أي أن الجاني هو من فروع المجني عليه ، فإذا قام الجاني بقتل أمه أو جدته سيعاقب بموجب نص المادة 328 التي فرضت هذا الظرف المشدد ، وقد جاء موقف المشرع الأردني من هذا الظرف المشدد مخالفا لموقف بعض التشريعات العربية ، حيث اتجهت بعض التشريعات إلى التوسع في تطبيق هذا الظرف المشدد ليشمل الفرع أي أنها طبقت هذا الظرف متى توافرت القرابة المباشرة بين الجاني والمجني عليه بغض النظر عن صفة المجني عليه حيث أن الظرف يشمل كل من الفرع والأصل ، ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في المادة 535 من قانون العقوبات السوري ، والفصل 210 من المجلة الجزائية التونسية ، ألا أن المشرع اليمني قد اتجه اتجاها شاذا عن موقف كافة التشريعات العربية حيث أنه اعتبر قتل الأصل للفرع ظرفا مخففا سندا لحكم المادة 233 من قانون الجرائم والعقوبات اليمني .
 
ب - جرائم الايذاء :
لم يضع المشرع الأردني في هذا النوع من الجرائم ظروفا مشددة خاصة بها بشكل مستقل ، بل سحب أحكام الظروف المشددة المطبقة على جريمة القتل وبنفس الشروط التي نظمها المشرع في جرائم القتل على جرائم الإيذاء وذلك سندا لحكم المادة 337 من قانون العقوبات  ، وبالتالي فإن هذا الظرف يطبق في حال كان الجاني أحد الفروع والمجني عليه أحد الأصول كالأم أو الجدة ، إلا أنه يلاحظ أن المشرع سحب أثر هذه الظروف فقط في حدود جرائم الإيذاء المقصود ، دون جرائم الايذاء المتعدية القصد كجريمة الضرب المفضي إلى الموت ، مع أن الجاني قد اتجهت نيته إلى ايذاء المجني عليه الا أن النتيجة الجرمية تجاوزت ما قصد إليه من فعله ، وبالتالي فكان على المشرع أن يشمل هذا النوع من الجرائم ضمن نطاق تطبيق الظرف المشدد طالما أن نية الجاني اتجهت للقيام بالأفعال الجرمية الداخلة في تكوين الركن المادي في جريمة الإيذاء ، لا أن يعاملها معاملة الجرائم غير المقصودة ، ويجب الإشارة إلى أن المشرع كان يفرض عقوبة مشددة إذا وقعت جريمة الضرب المفضي إلى موت على أنثى أيا كان عمرها إلا أن المشرع ألغى هذا الظرف كوسيلة لتخفيف الحماية الجزائية الممنوحة للأنثى . 
 
ج - جرائم الاعتداء على العرض : 
 
بعد أن استعرض المشرع جرائم الاعتداء على العرض وهي ( جرائم الاغتصاب وهتك العرض ومواقعة أنثى قاصر ) والعقوبات المفروضة عليها ، بين الظروف التي من شأنها أن تشدد العقوبة المفروضة على هذه الأفعال ضمن نص المادة 300 وبدلالة المادة 295 من قانون العقوبات  ويلاحظ أن المشرع قد توسع في التشديد في جرائم الاعتداء على العرض حيث أن هذا الظرف يطبق إذا كان الجاني أحد الأصول الشرعين أو غير الشرعيين ، كما أنه يشمل كافة المحارم كالعم والخال والاخ والأبن وكما أنه يشمل زوج الأخت وزوج العمة والخالة لأن النص جاء عاما عند ذكر كلمة المحارم وبالتالي فهو لم يقصرها على حالة التحريم المؤبد ، كما يلاحظ أنه في هذه الجريمة تشدد المشرع سواء أكان الجاني أحد الأصول أم الفروع كونهم يدخلون ضمن دائرة المحارم ، ويترتب على هذا الظرف أن يتم تشديد العقوبة من ثلثها إلى نصفها . 
 
د - جرائم الإغواء والتهتك : 
 
سحب المشرع أحكام الظرف المشدد الذي فرضه على جرائم الاعتداء على العرض على بعض جرائم الإغواء والتهتك وهي جريمة المداعبة المنافية للحياء العام وجريمة عرض فعل مناف للحياء العام وذلك بدلالة نص المادة 306 مكرر من قانون العقوبات . 
 
ه - العذر المخفف في جرائم القتل والايذاء : 
 
منح المشرع الأردني عذرا مخففا لبعض الجناة وفي حالات محددة عند ارتكابهم لجرائم القتل والايذاء ، وهي حال فوجئ الجاني بأحد أصوله أو فروعه أو أخواته في حال التلبس بجريمة الزنا أو في فراش غير مشروع ، وذلك مراعاة للحالة النفسية التي يكون بها الجاني ، كما منح المشرع هذا العذر للأنثى ولكن بشروط أضيق فحصر نطاق هذا العذر بالزوجة وفي حال ارتكاب الزوج لجرم الزنا أو وجوده في فراش غير مشروع في بيت الزوجية ، ويلاحظ من هذا النص أنه قد شمل جرائم الإيذاء المتعدية القصد ضمن نطاق التخفيف إلا أنه لم يشملها ضمن ظروف التشديد كما أشرنا وهذا تناقض لا مبرر له  ويجب الإشارة إلى أن المشرع وفي خطوة ايجابية منه قد قصر تطبيق الأعذار القانونية المخففة العامة في الجرائم الواقعة على الأنثى فقط في حدود نص المادة 340 من قانون العقوبات ، أي في حال تلبسها في جريمة الزنا أو في فراش غير مشروع ، وذلك سندا لحكم المادة 97/2 من قانون العقوبات . 
وبهذا نكون قد شملنا الأحكام القانونية التي نظمها المشرع الأردني في نطاق الحماية الجزائية للمرأة من جرائم العنف الأسري ، إلا أن الواقع العملي يشير إلى تزايد حالات العنف الأسري الواقعة على المرأة ، وبالتالي فإننا نتمنى على المشرع الأردني التوسع في توفير الحماية الجزائية للمرأة من جرائم العنف الأسري كأحد الخطوات الذي يتوجب على السلطات الأردنية الأخذ بها لمكافحة هذه الجرائم .
المقترحات : 
1-  استحداث نص في قانون الحماية من العنف الأسري يحظر استعمال الأسباب التقديرية المخففة في جرائم العنف الأسري ، فمن لا يقوم بدوره ضمن نطاق الروابط الأسرية والتي تفترض أن يكون سندا للضحية وعونا لها لا يستحق أن يستفيد من دور هذه الروابط الأسرية في التخفيف من العقوبة . 
 
2- إضافة فقرة لنص المادة 105 من قانون العقوبات يحظر استعمال الأسباب التقديرية المخففة في حال وجود عذر قانوني مخفف ، وذلك للمحافظة على الغاية من العقوبة وهي الردع العام والخاص ضمن المقدار الذي حدده المشرع تبعا لتقديره لخطورة الجريمة المرتكبة . 
 
3- تعديل نص المادة 328 من قانون العقوبات بحيث يشمل الظرف المشدد حالة قتل الأصول والفروع على حد سواء وهذا ما تبناه المشرع في جرائم الاعتداء على العرض ، وحيث أن الحق الذي يحميه القانون في جرائم القتل وهو حق الحياة لا يقل أهمية عن الحق الذي استهدفه المشرع في الحماية في جرائم الاعتداء على العرض لا بل أنه يزيد أهمية عنه وبالتالي فلا مبرر للمشرع في التضييق من الظروف المشددة في جريمة القتل . 
 
4- تعديل نص المادة 337 من قانون العقوبات على النحو الآتي : 
 
أ- شمول جرائم الإيذاء المتعدية القصد ضمن نطاق التشديد 
 
ب- إضافة فقرة ثانية تشدد العقوبة في حال وقوع جرائم الإيذاء على أنثى غير مشمولة في نطاق الفقرة من المادة 337 ، وذلك تطبيقا للسياسة التي اتبعها المشرع في الموازنة في توفير الحماية الجزائية للمجني عليه حسب حاجته للحماية ، وحيث أن الأنثى في طبيعتها وتكوينتها الجسدية أضعف من الرجل مما يسهل وقوع هذه الجرائم الأنثى وهذا ما يستدعي  واجب المشرع في التدخل وتوفير حماية أكبر للأنثى . 
5- تعديل نص المادة 300 من قانون العقوبات وفرض عقوبة أكثر شدة تصل للسجن المؤبد فمن تسول له نفسه الاعتداء على عرض محارمه او فروعه يكون قد تجرد كافة المشاعر الإنسانية ولا أمل منه في التغير وأن يصبح فردا صالحا للمجتمع وبالتالي فإنه لا يستحق الحصول على فرصة أخرى للإصلاح . 
 
 
6- تعديل نص المادة 340 من قانون العقوبات ، على النحو الآتي : 
 
أ- اقتصار نطاق العذر المخفف على جرائم الايذاء المقصودة والمتعدية القصد ما لم تؤد إلى الوفاة .
 
ب - الغاْء الفقرة 3/ب من هذه المادة ، وفي حال وجود ظروف مشددة ينطبق هذا النص وفقا للترتيب الذي أوردته المادة 105 من قانون العقوبات . 
 
ج - تعديل الفقرة 2 من هذه المادة  بحيث تشمل في نطاقها ذات الأشخاص الذي شملهم المشرع في الفقرة أ فمن يرتكب مثل هذه الأفعال يمس سمعة الأسرة أيا كان جنسه ، وبالتالي فلا مبرر للمشرع أن يقوم بالتمييز وقصر النطاق الشخصي للعذر المخفف على الزوجة فقط . 
 
7- إضافة نص لقانون الجرائم الإلكترونية يجرم من يقوم بالإساءة للضحية بشرفها واعتبارها ولو في معرض التشكيك في الجرائم التي تشغل الرأي العام ، حيث أن الوسائل الإلكترونية تسهل من ارتكاب مثل هذا النوع من الأعمال في الجرائم التي تشغل الرأي العام . 
 
8- تعديل نص المادة 11 من قانون الحماية من العنف الأسري المتعلقة بالتدابير بحيث يتم تقسيم هذه التدابير إلى نوعين : 
 
أ- تدابير إلزامية يتوجب على القاضي فرضها بغض النظر عن نوع الجريمة سواء أكانت من نوع الجنحة أو الجناية وهي إلحاق المجرم ببرامج أو بجلسات تظاهيل نفسي أو اجتماعي 
 
ب- تدابير اختيارية يحق للقاضي فرضها في الجرائم التي تمت فيها التسوية  حسب تقديره لشروط التسوية وفيما إذا كانت كافية للحيلولة من تكرار الجاني لاعتدائه من عدمه