عاجل

توضيح رسمي حول ساعات الحظر الجزئي وحظر الجمعة الأسبوع القادم

الإصلاحات الإقتصادية في السياسة النقدية

الكاتب : د. عمر خليف الغرايبة
يعاني الأردن من الفجوة الكبيرة بين الدورة النقدية والدورة الإنتاجية، والدورة النقدية تقاس بالزمن المنقضي ما بين التدفق النقدي الخارج و التدفق النقدي الداخل من القروض، بينما الدورة الإنتاجية تقاس بالزمن المنقضي ما بين التدفق النقدي الخارج و التدفق النقدي الداخل من المبيعات والإنتاج. 
 
وفي الأردن، هناك دورة نقدية وسيولة نتيجة تقديم القروض ولكنها غير متوازنة مع الدورة الإنتاجية، حيث أن الدورة النقدية التي تقوم بها البنوك في الأردن تتركز في معظمها نحو القروض الاستهلاكية وتتمثل في مصاريف الزواج وشراء السيارات والأراضي 20% والشقق السكنية والبيوت 20%، والقروض التجارية 22% ونسب أقل نحو القروض الخدمية 13% والصناعية 16% والزراعة والتعدين لا تتجاوز 3%، بمعنى أن القروض الإستهلاكية والشقق تهيمن على النسبة الأكبر من القروض وتحتل المرتبة الأولى بحوالي 40%.
 
كما أنه يتساءل كثيرون، هل الجهاز المصرفي الأردني قوي أم ضعيف؟ هذا يقودنا إلى البحث في مؤشرات ثلاث، (1) كفاية رأس المال (2) ربحية البنوك (3) أسعار أسهم البنوك، والبنك المركزي الأردني يهتم في هذه المؤشرات لأنها تعكس قوة البنوك وتماسك الإقتصاد واستقرار سعر صرف الدينار، وعلى الرغم أن البنوك الأردنية في الأردن تتمتع بكفاية رأس مال مرتفعة تتجاوز 12%، وهي النسبة المثالية حسب اتفاقية بازل 3، ولكن لا نعلم مدى تأثر كفاية رأس مال البنوك في ظل جائحة كورونا، أما بالنسبة الى المؤشر الثاني وهو ربحية البنوك فقد انخفض بشكل حاد في عام 2020 بسبب جائحة كورونا مما أدى إلى تعثر مليون مقترض ماليا، وبالتالي انخفض صافي أرباح البنوك بعد الضرائب والمخصصات بنسبة 66.5% في العام 2020، مقارنة مع الفترة نفسها من العام 2019.
 
وبالنظر إلى مؤشر أسعار أسهم البنوك الأردنية، فقد انخفضت أسعارها بشكل كبير وخاصة في آخر 10 سنوات ما بعد الأزمة المالية العالمية، فعلى سبيل المثال على مستوى عام 2020، لاحظنا أن سعر سهم البنك العربي بالرغم أنه مرتفع نسبيا إلا أنه تأثر بشكل كبير وانخفض سعره من 6 دنانير تقريبا في بداية عام 2020 إلى 4 دنانير في نهاية نفس العام، كذلك بنك الإسكان تأثر بشكل أكثر من البنك العربي حيث كان سعره بداية الجائحة بداية عام 2020 ما يقارب 5.50 دينار وانخفض ليصبح 3 دنانير، والبنك الكويتي الأردني تأثر كذلك حيث انخفض من 2.50 دينار إلى 1.50 مع نهاية عام 2020، وهذا يتطلب من البنك المركزي إعادة تقوية أداء الجهاز المصرفي في الأردن. 
 
كما أن البنوك الأردنية لعبت دور خطير من ناحية اجتماعية، فبمقدار ما ساعدت بشكل مؤقت في حل المشاكل على مستوى شخصي من خلال تقديم القروض الاستهلاكية والعقارية، إلا أن ذلك كان سبب مباشر في تعميق الطبقية في المجتمع الأردني وذلك بسبب ارتفاع معدلات الفائدة على مدار العقود الماضية. وبالتالي، نحن نتكلم عن مشاكل جوهرية في السياسة النقدية انعكست على اقتصاد الدولة والمجتمع على حد سواء، فأصبح المظهر لدى المجتمع الأردني جميل يتمثل في زيادة العمران والشقق والسيارات ورحلات سياحية و خلويات وفي العمق والجوهر فهي ديون بفوائد و بمرابحة مرتفعة تعمق الفقر والجوع، لذلك انعكست هذة الاختلالات على زيادة الفجوة بين الدورة النقدية والدورة الإنتاجية، وأدى أيضا الى انخفاض في ربحية البنوك وأسعار أسهمها على مدار السنوات الأخيرة الناتج عن التعثرات المالية، وتعميق الطبقية وهز الطبقة الوسطى وسقوطها نحو القاع، لذلك يجب أن يكون هناك إصلاحات اقتصادية على مستوى السياسة النقدية في الأردن والمسؤول عنها البنك المركزي الأردني.
 
السؤال الذي يطرح نفسه الآن بجرأة، ما هو الحل، الجميع يتساءل ما هو الحل؟ يبدأ الحل في السياسة النقدية والمسؤول عنها البنك المركزي الأردني من خلال تعميق العمل المؤسسي لدى البنك المركزي وممارسة الشفافية والمصداقية مع جميع البنوك الأردنية، فلا يجوز أن يطبق البنك المركزي على بنك أردني جميع المعايير مثلا المتعلقة في غسيل الأموال وشروط دفاتر الشيكات وبنوك أخرى بسبب وجود متنفذين يتغاضى عنهم وعن مدى تطبيقها، كما على البنك المركزي الأردني تشريع قانون يسمح بالتنافسية بين البنوك ليس فقط على مستوى عدد الفروع وتقديم الخدمة الأفضل، إنما بالتنافسية على مستوى العمولات ومعدلات الفائدة والمرابحة وذلك لتقليل تكاليف التمويل والذي سينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع والخدمات. 
 
والإصلاح الاقتصادي على المدى البعيد مسئولية البنك المركزي والبنوك الأردنية المتمثل في التهيئة الى دمج عشرة بنوك على الأقل كون أسعار أسهمها في أفضل حالاتها لا يتجاوز الدينارين، لا بل بعض البنوك سعر أسهمها أقل من دينار، ففي الأردن يكفي له 6 بنوك وتكون 3 تجارية قوية و3 إسلامية قوية، على أن تفتح البنوك التجارية نوافذ إسلامية وتعمم تجربة البنك العربي الإسلامي، وفي المقابل أن تزيد هذه البنوك القروض نحو القطاعات الصناعية والخدمية والزراعية بفوائد ومرابحات قليلة، وأن تقوم البنوك الإسلامية بتفعيل حساب المضاربة والمشاركة لتساهم في تضييق الفجوة بين الدورة النقدية والإنتاجية، وهذا الاندماج سيؤدي إلى زيادة قوة البنوك وزيادة كفاية رأس المال، والدمج أفضل من التصفية فهو الطريقة الأمثل لأنه يحافظ على الأموال الموجودة في البنك ويحافظ على متانة الاقتصاد الأردني واستقرار سعر صرف الدينار الأردني، كما أنه يحافظ على المسئولية الاجتماعية للموظفين بعدم تسريحهم، ولكن قرار الدمج يصطدم مع أولئك الذين يسيطرون على مجالس الإدارات في تلك البنوك لأنهم سوف يفقدون امتيازاتهم، ولكن مصلحة الوطن واقتصاده أولى من المصلحة الذاتية والامتيازات الشخصية.
 
أما بالنسبة إلى البنوك سواء التجارية أو الإسلامية يجب عليها توفير قاعدة إجراءات مؤسسية وتشغيلية تساعدها على القيام بأعمالها بطريقة مثالية، وعلى البنوك الأردنية استخدام الأموال وتقديمها كقروض في أربع أو خمس مجالات بشكل متقارب: استهلاكي وتجاري وصناعي وخدمي وزراعي وذلك لزيادة الإنتاج وتعزيز وتقليل الفجوة بين الدورة النقدية والدورة الإنتاجية، وتشريع قانون بين البنوك والمقاولين بعدم السماح لأي مقاول ببناء شقق سكنية بعيدا عن شراكة البنوك الأردنية، وفرض سقوف لأسعار الشقق وعدم تغول أي طرف على المواطن، كما أن البنوك مسئولة عن غسيل الأموال حيث زيادة تدفق الأموال نحو حساب بعض الأشخاص بشكل ملفت للانتباه يجب على البنك التأكد منه بشكل قانوني مهما علا شأنه وارتفع منصبه، فمصلحة الأردن أولى من مصلحة الأشخاص.