ذريعة الحاجة للمرونة في العمل الإداري وواقع الفساد


الكاتب : محمد حسني معابرة
في غمرة احتفالات المملكة بمرور مئة عام على تأسيسها ما زال البعض ممن يجلسون على كراسي الأجهزة الإدارية في مؤسسات الدولة الأردنية يطالبون بالمزيد من الصلاحيات في مجال عملهم، لا بل وتجدهم يطالبون بمزيد من السلطات التقديرية أحياناً على نحو يجعلهم يعيثون في المؤسسات العامة فساداً ودون ضابط أو رابط أو رقابة، وكأنها مزارع خاصة ورثوها من أجدادهم.
 
دخلت الدولة الأردنية مئويتها الثانية وما زال البعض يتحدث عن الحاجة للمرونة والسلطات التقديرية في العمل الإداري، بالرغم من أن المؤسسات تتراجع للخلف وبشكل ملحوظ، وبالرغم من الصدمات التي نتلقاها يوماً بعد يوماً حول أخبار الفساد المستشري والرشوة النتنة التي باتت تشكل منحنى خطر وملحوظ، في الوقت الذي حققت دول لم يتجاوز عمرها خمسة أو ستة عقود مستويات متقدمة من احترام للقانون وضبط للعمل الإداري والرقابة والشفافية.
 
لا شك بأن المرونة في العمل الإداري مطلوبة من أجل ضمان حسن سير المرفق العام، ولكن تلك المرونة والسلطات التقديرية الواسعة لم تعد مقبولة اليوم في ضل "دولة القانون"، حيث نشهد اليوم مطالبات لدى بعض أفراد من الإدارة بمزيد من المرونة في العمل أو حتى مطالبات بالحصانة من المسائلة بحجة "الخوف من تهمة الفساد". وهنا نقول: بأن ذلك الحديث عن ضرورة الموازنة بين المرونة والخوف من تهمة "الفساد" كعائق أمام سلاسة العمل الإداري هو حديث عقيم، وذلك لأن المرونة والاستقامة في العمل الإداري لا يتعارضان، فلا يضير الإدارة أن تعمل بكل مرونة وسرعة وبذات الوقت أن تحترم القانون، لأنه وبكل بساطة إن كانت الإدارة قد راعت الأنظمة والقوانين في عملها الإداري وقراراتها الإدارية فإنها لن تخشى في تلك القرارات لومة لائم، وبالعكس كلما ابتعدت الإدارة عن الانضباط واحترام القانون في قراراتها فإنها ستسعى للاحتجاج بـ "حاجتها للمرونة والسلطة التقديرية" حتى لا تكون عرضة للمساءلة.
 
من زاوية أخرى، فإن القول بوجود "خوف" لدى الإدارة العامة من تهمة الفساد وبأن هذا الخوف سينتج عنه " بطء في العمل الإداري"، هو أيضاً قول عقيم، وذلك لعدة أسباب:
 
- أولها أن السرعة في إنجاز العمل ودراسة الملفات وصولاً إلى قرار إداري سليم يراعي المصلحة العامة، هو أمر لا يحتاج إلى مزيد من المرونة في العمل ولا يحتاج إلى رفع الرقابة، بل بالعكس كان ممكناً للإدارة أن تعمل بسرعة ومرونة واستقلالية وأن تحترم القانون بذات الوقت.
- وثانيها: أن الإدارة الواثقة من صحة وسلامة إجراءاتها وقراراتها الإدارية وموافقتها للقانون لن تخشى الرقابة وستكون واثقة كل الثقة من قراراتها، وستنشرها على الملاً.
- وأما ثالثها: أن البطء في العمل – أو بعبارة أخرى – التباطؤ بالعمل – قد يكون هو الفساد بحد ذاته، "فعلى سبيل المثال" نجد ان رجل الإدارة قد يؤخر معاملة إدارية لأحد الأشخاص ويخفيها في الإدراج بقصد تمرير معاملة أخرى لشخص آخر ليمكنه من الاستحواذ على ميزات كان الأحق بها صاحب المعاملة المخفاة، وبحكم اطلاعنا على واقع العمل الإداري في المؤسسات العامة والخاصة نجد أن الإدارة مثلاً قد (تؤخر معاملة تعيين لأحد الأشخاص كان قد تقدم بها نظراً لوجود شاغر ما، وتمرر أخرى بسرعة البرق ليشغل ذلك الشاغر، ثم تعتذر الإدارة من صاحب المعاملة الأولى بحجة عدم توفر شاغر له، ذلك وبالرغم من أنه (أي الأول) أسبق في الطلب واكثر كفاءة واحقية بذلك الشاغر الذي كان متاحاً وذهب للغير)، وفي مثال آخر: قد يؤخر موظف دائرة الأراضي معاملة إفراز قطعة أرض بقصد تفويت المصلحة والاضرار بمالكها الذي يرغب بالإفراز قبل طرح إعلان استملاك قطع أراض في منطقته، وفي مثال ثالث: قد يتقدم أحدهم بطلب الكتروني للتعيين في شاغر أعلنت عنه أحد المؤسسات، ثم يقوم صاحب القرار بإصدار كتاب ينص على أن الملف المرفق الكترونياً وفيه وثائق طالب التعيين هو ملف غير صالح أو لم يكن من الممكن فتحه وذلك كحجة لإلغاء الطلب، وبالطلع إن كان مصدر القرار يعلم بأن الملف الالكتروني المرفق قابل للفتح الكترونياً ولا مشكلة فيه أو لم يستعين بمركز الحاسب المختص بمعالجة الإشكاليات الالكترونية، فإنه وبمثل هذه الحالة يكون قد قصر في عمله، لا بل يكون قد ارتكب سلوك يمكن تكييفه على أنه جريمة فساد مثل (إساءة استعمال السلطة أو الإهمال بواجبات الوظيفة)، والأمثلة كثيرة.
 
وهنا يستحضرني مثال رائع في الشفافية والمكاشفة والجرأة في اتخاذ القرارات الإدارية: فبحكم اتصالي بالجامعات الفرنسية العريقة مثل جامعة (السوربون في باريس) فإنني اتلقى بشكل دوري بريد الكتروني يصلني كما يصل كل ملتحق بتلك الجامعة، ويكون متضمناً القرارات الإدارية الصادرة عن المجالس فيها، مثل قرارات اعلى مجلس في الجامعة، وقرارات المسابقات التنافسية على عقود عمل، تصلني تلك القرارات باستمرار حتى اليوم وبالرغم من أنني لم أكن معني بها يوماً، ولم أتقدم في يوم من الأيام لمثل تلك المسابقات، ولكن ذلك الإعلان عن القرارات ليس إلا من باب الشفافية والوضوح حتى يتمكن كل ذي مصلحة من العلم بها والطعن بها إدارياً إذا كان متضرراً منها، ولعل مثل هذه الشفافية والإعلان عن قرارات الإدارة لا ينم إلا عن ثقة وجرأة وانضباط في اتخاذ القرارات الإدارية، فالإدارة الواثقة من عملها لن يضرها أبداً الكشف عن قراراتها الإدارية وإعلانها للعامة، في حين أن الفاسد وحده هو من يسعى لاختباء والاخفاء فيخشى الكشف عن قراراته.
 
المرونة والحاجة للسلطة التقديرية، هي واحدة من الحجج البالية التي تطالب بها الإدارة غالباً لتغطية فسادها، وهنا يأتي دور أجهزة الرقابة المعنية، والتي يجب أن تكون متيقظة لمثل تلك المسلكيات، ولمثل تلك القرارات الإدارية التي قد تكون في " ظاهرها مشروعة ولكن في ظروف إصدارها وكواليسها فساد كبير ينطوي على "تنفيعات" لأشخاص وإضرار بآخرين، وما يدريك لعل رشوة أو منافع شخصية قد تكون خلف تلك المسلكيات الإدارية.
 
على صعيد آخر، يلاحظ بأن العديد من أجهزة الإدارة العامة تعتبر عملها "سري" ومحصن من الكشف عنه، وما ذلك إلى وسيلة لتجنب كشف تلك المخالفات وإيصالها لأجهزة الرقابة في الدولة، ولكن تلك السرية المزعومة ما هي إلا حجة واهية بالية لعدم استنادها للقانون، فالسرية في القرارات الإدارية  أو في الوثائق الرسمية مثلاً لا تفرض إلا بموجب (نص قانوني صريح)، ومثال ذلك تشريعات مؤسسة ما تعطي لوثائق (محاضر جلسات التحقيق) "صفة السرية" في حين لا تعطيها لوثائق أخرى، فالسرية اذاً لا تفرض اعتباطاً وبشكل مزاجي بل بموجب نص قانوني صريح، وبهذا الصدد، يلاحظ بأن أجهزة الإدارة أصبحت تتمادى في فسادها من خلال اللجوء إلى تهديد من يكشف ذلك الفساد في عملها وقراراتها، إما بتهديده بالعقوبات التأديبية إن كان موظفاً لديها أو بمحاولة ترهيبه بالملاحقة القضائية عن كشف وثائق اعتبرتها لغيات التهديد "سرية"، وهنا أود التأكيد للمواطن الأردني بأن نظام الخدمة المدنية الأردني والذي يخضع له الغالبية العظمى من موظفي القطاع العام في الأردن - وبموجب التعديلات الأخيرة - قد حصّن الموظف العام من المسؤولية التأديبية عن كشف الوثائق المتصلة بعمله والتي تنطوي على فساد إذا ما رفعت إلى هيئة النزاهة ومكافحة الفساد أو للمرجع المختص في دائرته، فالمشرع هنا أراد حماية الموظف وحصنه إذا ما تعاون مع هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، لا بل أبعد من ذلك، فإن على كل موظف يعلم بحكم وظيفته بأن جريمة ما ارتكبت (مثل التزوير – إساءة استعمال السلطة – إعطاء مصدقات كاذبة  - هدر المال العام – الرشوة - وغيرها من الجرائم  وخاصة جرائم الفساد) كان واجباً عليه أن يبلغ بها السطات القضائية وهيئة النزاهة، وذلك تحت طائلة المسؤولية الجزائية (الحبس أو الغرامة) في حال كتم علمه بها ولم يخبر عنها، حيث عاقب المشرع الأردني في قانون العقوبات وقانون مكافحة الفساد كل من يكتم مثل تلك المسلكيات وهو على علم بوقوعها.
 
خلاصة الحديث، إن المجتمع الأردني، وخاصة الشباب منه، ومع بداية المئوية الثانية للدولة الأردنية، لم يعد يتقبل ولا بأي شكل من الأشكال أن يرى فساداً يلحق بمصلحته الشخصية ضرراً مباشراً أو يلحق بالمصلحة العامة ضرر عاماً ويسكت عنه، لا بل وسيكون على الجميع أن يتصدى لمثل تلك المسلكيات الفاسدة ولو لم يكن متضرر مباشر منها، وذلك من اجل وقفها ومنع انتشارها، لأن ضرر الفساد سيطال الجميع لا محال، ولك أن تتخيل عزيزي القارئ على سبيل المثال أن يتم تعين استاذاً جامعياً غير كفء بناء على قرارات إدارية يشوبها فساد، ثم يكون في المستقبل القريب أحد ابناءك طالب لديه وينهل من علمه البالي !! ثم يكون ذلك الشخص في موقع مسؤولية ويأتي بأمثاله بنفس الطريقة التي عين بها هو.
 
إن الدعوة لمزيد من السرية والمرونة في العمل الإداري والمزيد من السلطات التقديرية الممنوحة لأجهزة الإدارة العامة في الأردن لم يعد يقنع أحد، ولم يعد يناسب دولة عمرها مائة عام: سرية – مرونة - سلطة تقديرية لا تخضع للرقابة، لماذا؟ هل هناك خوف من أن تتسبب الشفافية والمكاشفة والوضوح في القرارات الإدارية بكشف الفساد وكسر ظهره؟ اعتقد ومن وجهة نظري بأن معظم من يدعون للسرية في العمل ويطالبون بمزيد من المرونة والسلطة التقديرية المطلقة في العمل الإداري هم مرتجفون مرتعدون يخشون أن تلحقهم تبعات الإصلاح والشفافية والمساءلة.
 
إن الدعوة لمزيد من السرية والمرونة والسلطات التقديرية بيد أجهزة إدارة لم تحز يوماً من الأيام على ثقة المواطن، هي في الحقيقة دعوة لتأجيل استحقاقات وطنية ملحة وعاجلة بمحاربة الفساد، وهي دعوة لتأجيل حلم الشباب الطامح للعيش في دولة قانون ينال فيها كرامته، هي دعوة لاستمرار نهب مقدرات المجتمع واستمرار هيمنة نخب معروفة على مقدرات الدولة ومؤسساتها، وهي دعوة لتخويف الناس من السعي وراء الإصلاح ومحاربة الفساد، وأخيراً هي دعوة للإجهاز على ما تبقى من مصادر وثروات وملامح العدالة الاجتماعية في دولة القانون التي زاد عمرها عن مئة عام (بلدنا العزيز الأردن في ظل القيادة الهاشمية التي طالما أكدت مراراً (وآخرها ضمن اللقاء الأخير بين جلالة الملك ورئيس مجلس هيئة النزاهة ومكافحة الفساد) على ضرورة محاربة الفساد بكل أشكاله، وبأن لا أحد فوق القانون مؤكداً على أن مكافحة الفساد على رأس الأولويات.
 
محمد حسني معابره
أستاذ القانون الدولي والجنائي - وباحث في معهد القانون المقارن جامعة السوربون (باريس الأولى).