رسائل من كأس العرب في قطر


الكاتب : بكر السباتين

بعد تسع سنوات من التوقف، تعود بطولة كأس العرب لكرة القدم التي تقام هذه المرة في الدوحة للانطلاق حتى ترى النور بعد غياب. وبمشاركة ستة عشر منتخباً عربياً، قسموا لأربع مجموعات رئيسة، تستضيفهم ستة من ملاعب المونديال الثمانية، ستكون البطولة بمثابة "بروفة" مصغّرة لكأس العالم المزمع استضافته في نهاية 2022 على الأراضي القطرية كسابقة لم يشهدها الشرق الأوسط والوطن العربي.

وحمل كأس العرب الذي افتتحه أمير قطر يوم أمس الأول، العديد من الرسائل المشفرة والأسئلة التي ما لبثت تبحث عن إجابات شافية؛ ولكن دون جدوى... وكانت رسائل من قلب "دوحة العرب" إلى الوجدان العربي الأسير للأزمات المتفاقمة، تخلوا من مفردات الفرقة ومفاتيح الفتنة كي تعيد بناء الوحدة في العقل العربي الذي شرذمت أركانه الخلافات، وأنهكته الصراعات التي دبت بين أصحاب المبادئ والثوابت من جهة، وأولئك الذين اعتمروا قبعة ميكافللي وما تحتها من أفكار وصولية تقوم على أن الغاية تبرر الوسيلة.. فمات صاحب كتاب الأمير فيما ظلت أفكاره تعربد في العقول وتفتعل الأزمات حتى باعدت بين العرب وساقتهم إلى غياهب الشقاء والمجهول.. وبات الحلم العربي يتيماً يبحث عن الشرفاء كي يعيدوا ترميمه.. ولعلها مهمة أنيطت بالأجيال الجديدة التي لا تهتف للعروبة إلا فوق مدرجات الملاعب وكأنهم يدورون في نسق واحد حول كرة القدم التي صنعت الفرح العربي والتلاحم الفريد بعيداً عن رقابة السياسيين والوصوليين وأصحاب الأجندات التخريبية.. 
وقد نسج القائمون على مهرجان الافتتاح الأمل العربي مازجين بين مفردات تراثية أصيلة وتقنيات حداثية كالهلوغرام لاستحضار شخصيات من عالم الغياب إلى الحاضر وقد أثقلت الجماهير بالأسئلة الصعبة، وكانت قبل رحيلها قد جمعت العرب على الابتسامة النقية والدعابة البريئة، في المسرح والسينما مثل سعيد صالح وعبدالحسين عبد الرضا.. وشخصية جحا صاحب المواقف المضحكة الموروثة، هذه الشخصية التي خرجت من قلب السخرية لتبدو أمام الجماهير خلافاً لما عرفت به، إذْ خاطبت الجماهير بجدية غير مألوفة وبدت تبث فينا طاقة الأمل من باب العودة إلى ما يجمع الأمة من ملتقيات، الفن الساخر وسحر الغناء العربي بكل أذواقه التراثية والشعبية والحداثية بعيداً عن الأفكار والعواطف الطائفية والجهوية والعصبية كي يظفر العقل العربي الجديد بفرصة التغيير والتراجع عن الموبقات كالتطبيع المهين والفساد والإرهاب وقلب المبادئ والموازين، وطعن الحقيقة في الظهر، فلا تجد من يدرج العدو الصهيوني الذي يحتل فلسطين في قائمة الحلفاء والأصدقاء على حساب الهوية الفلسطينية.
 
جاء المهرجان عبقرياً في استقطابه للجماهير العربية من كل حدب وصوب.. إجماع فطري على المحبة والتنافس المشروع كصرخة طفل غرير يلتقم ثدي أمه المترهل من اليباس، صرخة يائسة أحيتها الطموحات والآمال بغد مشرق، بما جمعته من حداثة وتراث. 
 
عاد كأس العرب في دورته العاشرة إلى الحاضرة العربية. وقد نظم على نحو أدهش العالم شكلاً ومضموناً، حيث تداخلت فيه الفكرة الأصيلة وتكوينات الصورة البصرية المستقرة، الحلم الذي تنداح دوائره في المدى دون توقف، والحقيقة التي توارت قليلاً حتى لا تباغت المشهد بعربدة الشيطان الذي يكمن في التفاصيل.. مشهد بصري حيٌّ نابض بما تجتمع عليه الجماهير، كأنه قصيدة حية احتفت بكل تقنيات الفنون لتخرج بصورة مشرقة للحلم العربي الجميل. الذي لامس وحضر الحفل الكبير رؤساء دول ومسؤولون، ولأول مرة دعي إليه عشرات العلماء العرب المغتربين الذين يتبوأون المشهد المستقبلي للتقدم والنماء.. كان لحضورهم نكهة لم تعهدها المدرجات الرياضية. وكأنها رسالة إلى المستقبل توحي بثبات أهميتهم في عالم يتغير ولا ينتظر المتقاعسين.
 
ومن حسن حظ الرياضة والرياضيين العرب أن بطولة "فيفا كأس العرب" 2021 في قطر تأتي بعد العودة عن القطيعة السياسية التي ظلت جاثمة لسنوات على العلاقات بين الدوحة وعدد من الدول العربية فيما يعرف بدول المقاطعة وهي مصر والسعودية والإمارات والبحرين.. الأمر الذي هيأ لظهور مراسم افتتاح البطولة على استاد "البيت" بذلك المظهر المثير للدهشة والإعجاب، لذلك قال الأمير تميم بن حمد في كلمته الافتتاحية "أهلًا بجميع العرب في دوحة العرب" وصدحت على إثر ذلك الأناشيد العربية الرسمية مع ظهور علم كل دولة على حداها، والأجمل في هذا المشهد الملهم، أن النشيد الوطني الفلسطيني كان حاضراً وسط هتافات الجماهير: "فدائي فدائي فدائي.. يا أرضي يا أرض الجدود.. فدائي فدائي فدائي.. يا شعبي يا شعب الخلود.. بعزمي وناري وبركان ثاري.. وأشواق دمي لأرضي وداري" النشيد الذي يحث على النضال "وإصرار شعبي لخوض الكفاح .. فلسطين داري فلسطين ناري" دون أن يلوث علم الاحتلال الإسرائيلي أو مشاركة مجنسين من أصول إسرائيلية بعباءة عربية مشبوهة، أجواء الاحتفال العربي الكبير الذي عبر عن خلجات قلوبنا التي أدمنت القهر والحزن والسعي الحثيث وراء الفرح في اليباب.. نريده إجماعاً عربياً نقياً لا يشوبه التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي وعودة مظفرة لسوريا التي تحطمت على صخرتها الأمواج.
 
هذا الحدث الكبير جمعه إستاد البيت الذي صمم على شكل بيت الشعر ومضافة العرب، وهو ثاني أكبر الملاعب الثمانية التي ستستضيف كأس العالم في قطر العام المقبل والتي نتمنى أن تُحْرَمْ دولة الاحتلال الإسرائيلي من المشاركة فيها، ويقع الستاد على بعد نحو ساعة من قلب العاصمة القطرية الدوحة، وهو مصمم على شكل "بيت من الشَعر" به الدلّة العربية ونقوش السدو التي كانت تزيّن خيم العرب قديماً، ويتّسع لستّين ألف شخص واختاره القطريون لحفل افتتاح البطولة للتأكيد على الأصالة.
وفي مضافة العرب هذه، حضر الافتتاح جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) التي رعت هذه الدورة. ولفت إنفانتينو إلى أن اجتماع العرب في إستاد البيت، هو بمثابة اجتماع لفيف الأحباب والأصدقاء والأهل معاً في منزل واحد، مؤكداً أن بطولة كأس العالم التي تستضيفها قطر العام القادم تتطلع في المقام الأول إلى تجميع الأفراد من مختلف دول العالم تحت راية كرة القدم.
وقد حضر الحفل أيضا أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة وزوجته الشيخة موزا المسند، والدا الأمير تميم، وحضر كذلك عدد من الرؤساء العرب.
وتضمن الحفل عروضاً ثقافية وتراثية وموسيقية احتفت بما تتميز به المنطقة العربية من ثقافة وتاريخ وفنون مشتركة. كما شهد الحفل أيضا عرضاً موسيقياً مزج بين الأناشيد الوطنية للدول الـ 23 المشاركة في البطولة مع إعلام تلك الدول بأصوات وصور مبهرة، إلى جانب عروض للألعاب النارية.
وبدأ الاحتفال بدخول جحا، إحدى الشخصيات الخيالية في التراث الشعبي العربي وجسده الممثل السوري فايز قزق، وحماره، إلى أرض الملعب، سائلاً عن حال العرب، في رسائل ضمنية تدعو إلى نبذ التفرقة بين أبناء اللغة الواحدة والمنطقة الواحدة التي تعيش انقسامات عدة.. ويعربد في تفاصيلها شياطين المصالح التي أغرقت مراكبنا في بحر لجي لا يرحم.
واستخدم المنظمون تقنية الهولوغرام الثلاثية الأبعاد، والنيوروفون التي تستنسخ الأصوات؛ لتجسيد الفنانَيْن الراحليْن: الكويتي عبدالحسين عبد الرضا والمصري سعيد صالح، لخوض حوار عن أحوال العرب وطَرْحِ أسئلةٍ صادمة حول مستقبل أمة عربية أضاعت بوصلتها؛ لاستعادة الوعي العربي المنتهك والمحاصر بالمشاريع التصفوية للأمة.
وانطلق الاحتفال بعرض ضوئي لأغاني عربية من أقصى الخليج إلى أقصى المغرب العربي، بحضور فنانين عدة بينهم مغني الراي الجزائري الشاب خالد، والمغنية العراقية رحمة رياض. وكانت الجماهير في إستاد البيت متنوعة، فيزداد صياح اللبنانيين مع أغنية لفيروز، والمصريين مع أم كلثوم أو عبد الحليم، فيما تعلو التصفيقات الخليجية على إيقاعات موسيقى بلادهم. وتزامناً مع إطلاق الألعاب النارية، افتتح أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني الدورة العاشرة من بطولة كأس العرب قائلا: "بسم الله وعلى بركة الله، أعلن افتتاح بطولة كأس العرب، متمنيًا لجميع المنتخبات التوفيق وأهلًا بجميع العرب في دوحة العرب". 
وبقدر الإبهار والتآخي بين العرب، الذي ظهر في حفل افتتاح كأس العرب العاشرة بالدوحة، يأمل المرء في أن ينجح لاعبو المنتخبات الوطنية الستة عشر في تكملة هذا التوجه بخوض مباريات مبهرة ورفيعة المستوى كرويا في ظل روح رياضية وأخوية تحتاجها شعوب المنطقة. وأن تستفيد منها المنتخبات التي ستخوض مباريات فاصلة بتصفيات كأس العالم، لتعود للدوحة في نفس الفترة من العام المقبل للمشاركة في مونديال 2022.
والجدير بالذكر أن كأس العرب صنع من الذهب الخالص ونُحتت عليه خريطة الوطن العربي.. فهل ترقى العلاقات العربية البينية إلى درجة من الصفاء الذهبي بعد أن تتطهر من الموبقات التي أشرنا إليها آنفاًً! نأمل ذلك فالهتافات تتصاعد حتى في بيوتنا تشجيعاً لمباريات الافتتاح.. فبالتوفيق يا عرب.. بعد زوال الغمة التي تطغى على حياتنا ورحيل الاحتلال إلى غير رجعة.