عاجل

المستراح في وادي الأرواح


الكاتب : صابر العبادي

سهرت ليلة أن تداول الناس الضرائب وأنواعها وبشاعة تطبيقها على شعبٍ محبوس في بيوته من ضيق الحال، قبل تنفيذ الحكومة الضرائب على الشوارع وعلى الهواء وعلى كل شيء حتى تُقعدنا، ولا يستطيع أحدُنا التحرك!! 

وفيما أنا مهموم انتابتني إغفاءة، رأيت فيها أن حارتنا تسكن الخيام، في تلعة نائية بين الجبال، تفحصت الخيام في هدأة الليل، وإذا بها أسيرة الجبالِ والفراغ، لا تسمع فيها حتى النحنحة!! .. هالني أمرُها، فتوليت عنها ويممت الشمال لعلي أسلي النفس عن كآبتها.. وما هي إلا لحظات حتى وجدت نفسي في "وادي الأرواح"... وهو وادٍ يجمع بين الوحشة والمتعة، تشعر وأنت فيه أن لكل شيء روحاً، أجواؤه توحي لك بشعور وحشي وديع لا يعرف التمدن...!! تفحصت ما حولي من أشياء... كانت أشكالُ الصخور عجيبة، والمغائر فاغرة فاها تهم بافتراسي.. لم أخف! كنت مطمئناً لأن رعبها لا يساوي شيئاً أمام رعب تلعتنا.. 
توغلت في الوادي وإذا صوتٌ يتسلل الى أذني من مغارة في الجلهة الأخرى من الوادي يعزفه عازفه بفمه.. (صفير).. كان لحناً يمانياً قديماً.. ترددت في تتبعه، لكن أُنسُ اللحن وجماله أنساني الخوف، فتقدمت أتسلق طرف الوادي بحذر حتى وصلت المغارة، كان لها كوة في جانبها، اقتربت من الكوة وصرت استرق النظر لأعرف من بالغار، وإذا به رجل أسود ذو شفتين غليظتين، ولحية شمطاء وشاربين أطلا من شرفة شفته العليا على أسنانٍ تعتريهما صفرة من دخان النار ولفائف التبغ، يلوث على رأسه خرقة لا لون لها، لكنها تشربت صفرة الدخان، يفترش "بساط شعر" مهترئاً، وينشغل في صنع لفافة تبغ يميّل لها رأسه يميناً وشمالاً ثم يقطع الصفير  ليلصق أطرافها بريقه..!! تركته حتى وضعها في فمه وضرب بالزناد، فأشعل شيئاً كالقطن أشعل منه اللفافة وأخذ نفساً وتنهد.. فتأكدت أنه ليس من الجن، فبادرته من الكوة بالسلام، فكاد يطير من الفزع..!! أدركت خطأي وهدّأت من روعه، ثم دخلت اليه أسامرة.. بادرته: كأنك غريب على المكان.
رد شعراً وهو يشيح بوجهه عني: 
إِنَّ بِالشِّعبِ الذي دونَ سلعٍ لَقتيلاً دَمُه ما يُطَلُّ خَلَّفَ العِبءَ علَيَّ وَوَلّى أَنَا بِالعِبءِ له مُستَقِلُّ. 
هالني ما سمعت.. فتحيرت، سألته: هذا شعر لك؟ قال: بالتأكيد... - ولكنه للشنفرى، .. تبسم ابتسامة فخر..! 
- يعني أنت الشنفرى. - فهزّ رأسه، - قلت: أأنت ثابت بن أواس، نظر بعيداً وقال أو عمرو بن مالك، لا فرق عندكم..
- ولكن أنت من اليمن ما الذي جاء بك الى بلاد الشام؟
فقال:
وَفي الأَرضِ مَنأى لِلكَريمِ عَنِ الأَذى/
                 وَفيها لِمَن خافَ القِلى مُتَعَزَّلُ
لَعَمرُكَ ما في الأَرضِ ضيقٌ عَلى اِمرئٍ/ 
                سَرى راغِباً أَو راهِباً وَهوَ يَعقِلُ.. 
قالها ثم سحب على اللفافة عدة سحبات أعادتها الى الحياة، ونفث الدخان فكدت أختنق.. 
بعد موجة من السعال، أطرقت قليلاً وقلت في نفسي: يا مسكين فررت من تحت الدلف الى المزراب فأنت لا تدري ما الضرائب، ولا الطرق ورسومها ولم تحرقك المحروقات ولهيبها..
ثم سألته وكيف جئت الى هنا؟ قال: طاردني "بنو سلامان" حتى وصلت الى هذا الوادي الطيب.. 
..كتمت ضحكتي، وقلت: يعني أنت لم تر طرق الإسفلت والمطبات ولا أسواقاً ولم يصادفك الشرطة، ولم توقفك الحواجز ولا الجمارك، ولم تطردك مواكب الحكام؟ 
- لم أر من هذه العجائب شيئاً، وسوق عكاظ وقته بعيد.
ولماذا أنت طريد؟ 
- لأني لم أرض بالظلم، ولم أستكن للظلمة "بنو سلامان"، أعيش طريداً حراً، خير من عيش الذل والهوان بين الناس الذليلة.
- ظننتك هارباً من الدرك.. -وما الدرك؟!!.. انا لا يدركني أحد.!!
- عجيب..!! كنت أظنك قاسياً صعباً، فاتكاً..
فأطرق قليلاً ثم رفع رأسه وقال: 
وإِنِّي لَحُلْوٌ إِنْ أُرِيدَتْ حَلاَوَتِي/ 
            ومُرٌّ إِذا نَفْسُ العَزُوفِ اسْتَمرَّتِ
أَبِيٌّ لِمَا آبى سَرِيعٌ مَباءَتِي/
          إِلى كلِّ نَفْسِ تَنْتَحِي في مَسَرَّتِي.. 
تمايلت طرباً لأبياته الجميلة، في منامي ومن شدة طربي زلت يدي عن رأسي، فارتطم بالطاولة، وإذا بي أمام شاشة الحاسوب أقرأ ما كتبه صديق على مواقع التواصل عن رسوم الطرق يقول: 
كان الفُتاك وقُطاع الطرق، يعترضون القوافل ويسلبون المسافرين، أما اليوم فالحكومة تقوم بالدور بطريقة مقززة وبسيف القانون، ولا يستطيع المواطن الاعتراض، أو الهروب من وجهها كما كان يفعل الأحرار قديماً..