جامعات الوطن كلمة حق يراد بها باطل!

mainThumb

27-08-2008 12:00 AM

          د. محمد تركي بني سلامة

منذ نشأة الدولة الأردنية قبل ما يزيد عن ثمانية عقود كان التعليم وما يزال عماد الدولة الأردنية وثروتها التي لا تنضب، فقد أدركت القيادة السياسية الهاشمية الحكيمة أنه في ظل محدودية الإمكانات وشح الموارد فإن رأس المال البشري Human Capital أو القدرة البشرية التي تعني تنمية قدرات الإنسان/المجتمع يمكن أن تعوض النقص في الموارد الأخرى.

وهكذا أصبح التعليم السلعة الأساسية التي برع الأردنيون في إنتاجها وتسويقها على مستوى المنطقة، وبفضل هذه السياسة الراشدة حقق الأردن المرتبة الأولى على مستوى الإقليم في مجال التعليم باعتراف كافة المنظمات والمؤسسات الدولية المعنية في هذا الشأن.

ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن المغفور له جلالة الملك الحسين رحمه الله كان قد اتخذ قراراً شجاعاً في الستينات من القرن الماضي يقضي بإنشاء مدرسة في كل تجمع سكاني فيه عشرة أطفال أو ما يزيد، فالتعليم كان ولم يزل وسيلة التمكين الأولى للمواطنين ذكوراً وإناثاً أغنياء أو فقراء سكان بادية أو ريف مدن أو مخيمات، زينة للأغنياء وسترة للفقراء. وانطلاقاً من هذه الرؤية الحكيمة استمرت المسيرة المباركة وتحقق المزيد من التقدم والإنجاز بإنشاء الجامعات الرسمية باعتبار التعليم وظيفة أساسية من وظائف الدولة تقدمه للمواطنين كسلعة مدعومة من أجل تمكينهم وتأهيلهم للمشاركة في مسيرة التنمية والبناء والتحديث ذلك أن دور الدولة في التنمية الإنسانية الشاملة هو دور أساسي أو مركزي ولذلك تم تقريباً إنشاء جامعة في كل محافظة أردنية.

وفي عهد جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين حفظه الله فقد أولى جلالته التعليم جُل عنايته ودعا إلى تبني إستراتيجية وطنية واضحة المعالم عميقة الرؤيا تحقق أهداف الأردن الوطنية وكان من ثمار هذه الإستراتيجية التوسع في عدد الجامعات الرسمية التي كان آخرها إنشاء الجامعة الإسلامية العالمية المعنية بتخريج عدد من الشباب المسلم المسلح بالعلم والإيمان القادر على الدفاع عن مبادئ الدين والعقيدة وتمثيل رسالة الإسلام السمحة التي قوامها الحوار والتسامح وقبول الآخر المختلف ورفض الغلو والعنف والتطرف والتكفير وغيرها من الممارسات والأفكار التي أضرت بصورة الإسلام، ولا سيما بعد أحداث 11/9/2001م وتداعياتها على العالم الإسلامي.

وكذلك تم فتح المجال أمام الاستثمار في التعليم بإنشاء الجامعات الخاصة التي تستقبل طلبة العلم سواء من الأردن أو الخارج الأمر الذي يسهم في منع هجرة الطلبة الأردنيين إلى الخارج في ضوء عدم قبولهم في الجامعات الحكومية وما يترتب على ذلك من معاناة لهم وخسارة للاقتصاد الأردني. أما بخصوص الطلبة الوافدين للأردن عرباً وأجانب فإن الدخل المتأتي من دراستهم في الأردن سواء في الجامعات الحكومية أو الخاصة فإنه يمثل فقط أحد الجوانب الإيجابية في هذه العملية حيث أن هناك أهداف أخرى غير اقتصادية تتحقق من استضافة مثل هؤلاء الطلبة في الأردن لا يتسع المجال لذكرها الآن.

وفي نهاية المقام يمكن القول أن جلالة الملك عبد الله الثاني في رسالته الأخيرة إلى الأسرة التربوية في الأردن قد أكد على أن التعليم مسؤولية الدولة الأردنية. وفي هذا التأكيد فإن هناك الكثير الكثير من الأبعاد والقيم والمضامين والعبر والأفكار التي يمكن التوقف عندها لاحقاً وخصوصاً فيما يتعلق بالتقدم والإبداع والتجديد فالهدف من التعليم هو توسيع فرص ونطاق الاختيار تأسيساً على حق في المعرفة وفي التعليم لأهداف سامية ونبيلة مثل حرية ورفاه الإنسان وسيطرته على بيئته ومقدراته ببناء حاضره ومستقبله ذلك من واقع الشعور بالمسؤولية الإيجابية الحرة أو مسؤولية الانتماء الاجتماعي.

وهذا لا يتحقق دون رؤية أو أفق إنساني أو في ظل مناخ استبدادي. الجامعة عند إنشائها سواء كانت حكومية أو خاصة تصبح جزء هام من المجتمع المحلي الذي تنشأ فيه ولا شك فإنها تسهم في نهضته وتقدمه سواء عن طريق رسالة التعليم أو البحث العلمي الجاد أو التفاعل مع المجتمع والعمل على الاستجابة لهمومه وحاجاته وتطلعاته.

ولما كان هذا هو واقع الحال فإن الوضع الطبيعي والمنطقي أن تعكس الجامعة واقع المجتمع المحلي وتأخذ بعين الاعتبار ظروف وإمكانات أبناء ذلك المجتمع عند المنافسة سواء في الدراسة في الجامعة أو في التعيين في مختلف وظائف الجامعة الإدارية أو الأكاديمية وذلك انسجاماً مع الفلسفة من إنشاء الجامعة في تلك المنطقة ابتداءً وتجسيداً لمبادئ العدالة وتكافؤ الفرص.

إنه من غير المعقول عند إنشاء جامعة في محافظة مادبا على سبيل المثال أن يتنافس على الالتحاق في هذه الجامعة من أكمل دراسته الثانوية في إحدى المدارس النائية التابعة لمحافظة مادبا ذات الإمكانات المتواضعة جداً وفي ظروف اقتصادية أو معيشية بالغة الصعوبة وحصل على معدل 70 في الثانوية العامة مع طالب من محافظة العاصمة حصل على معدل 70 ولا نحتاج للحديث عن إمكانات مدارس العاصمة أو الظروف المعيشية لسكانها.

إن مساواة الطالبين السابقين في المنافسة هو الظلم بعينه. وتنطبق الحقائق السابقة عند الحديث عن تعيين الإداريين والأكاديميين في تلك الجامعة. للأسف أن ما يجري في كثير من الجامعات الحكومية عند تعيين أعضاء هيئة التدريس هو تهميش وحرمان الكثير أبناء المحافظة التي تقع فيها الجامعة بحجة أنها جامعة للوطن وكان أبناء تلك المحافظة ليسوا من أبناء هذا الوطن.

ويترتب على مثل هذه الإجراءات الكثير من الخسائر والأضرار التي تلحق بالجامعة والمجتمع المحلي والوطن بشكل عام منها على سبيل المثال غياب دور أعضاء هيئة التدريس في خدمة وتنمية المجتمع المحلي، فإذا كانت وظيفة عضو هيئة التدريس هي رسالة التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع المحلي فإن أبناء المجتمع المحلي المؤهلين الذين تتاح لهم فرصة الالتحاق في جامعة في محافظتهم هم الأقدر على التفاعل مع ذلك المجتمع وخدمته والتفاعل معه وذلك باعتبارهم جزء من ذلك المجتمع ويعرفونه حق المعرفة فأهل مكة هم دوماً أدرى الناس بشعابها وبحاجاتها وأهدافها وتطلعاتها.

تطبيقاً لمقولة جامعة وطن والتي أصبحت كلمة حق يراد بها باطل يتم تعيين أعضاء هيئة تدريس في جامعة حكومية في إحدى المحافظات من خارج أبناء المحافظة التي تقع فيها تلك الجامعة وبعد مرور 4 و 5 سنوات يتقدم عضو هيئة التدريس المعين في تلك الجامعة بعدد من الأبحاث العلمية لغايات الترفيع وبالرغم من أن المشاركة في خدمة وتنمية المجتمع المحلي هو شرط أساسي من شروط الترقية إلا أن هذا الشرط غير مفعل في كافة الجامعات الأردنية ويتم ترفيع ذلك المدرس بالرغم من عدم مشاركته في خدمة المجتمع ولو على مستوى إلقاء محاضرة عامة أو المشاركة في مناسبة اجتماعية أو وطنية، لا بل أن بعض أعضاء هيئة التدريس في بعض الجامعات لا يعرفوا حتى أسماء بعض القرى المحيطة بتلك الجامعة فكيف ساهموا في خدمة المجتمع المحلي لتلك الجامعة؟ وعلى سبيل المثال يعمل في جامعة آل البيت في محافظة المفرق عدد من أعضاء هيئة التدريس من عمان يأتون إلى الجامعة أثناء الدوام عبر الطريق الصحراوي وبالرغم من مرور أكثر من عشر سنوات على التحاق بعضهم بالجامعة إلا أنه لم يدخل مدينة المفرق مرة واحدة، أما أن يذهب لزيارة إحدى القرى القريبة من الجامعة مثل الزعتري أو الباعج أو أم مسرب أو الدفيانة أو غيرها من القرى فإن هذا ضرباً من المستحيل فكيف يسهم مثل هؤلاء الغرباء في تنمية المجتمع المحلي لجامعة آل البيت؟! وما يحدث في جامعة آل البيت في هذا الصدد ينطبق على غيرها من جامعات الوطن، وهو ما يتناقض مع المسؤولية الاجتماعية والوظيفية لعضو هيئة التدريس في الجامعة، ذلك أن وظيفة عضو هيئة التدريس هي ليست فقط أن يكون باحث Scholar منتج للمعرفة العلمية وإنما أيضاً ناشط Activist في العمل التطوعي وخدمة المجتمع المحلي يقدم المعرفة أو المبادرات والأفكار التي تسهم في خدمة المجتمع فالشراكة بين الباحث والمجتمع هي جزء من مسؤولية الباحث أو المثقف. وفي هذه المناسبة فإنني أود أن أتوقف عند تجربتين رائدتين في هذا المجال بخصوص علاقة الجامعة بالمجتمع المحلي أولهما تجربة المربي الفاضل د.عبد الله العكايلة عند رئاسته لجامعة الطفيلة حيث اتخذ قراراً حكيماً جريئاً تمثل بقبول كافة أبناء الطفيلة الراغبين في دراسة التمريض في الجامعة من الذين تزيد معدلاتهم في الثانوية العامة عن 65% وأترك المجال لتقييم تلك التجربة لأبناء محافظة الطفيلة.

أما التجربة الأخرى فقد كانت أثناء تولي الأستاذ الدكتور عادل الطويسي رئاسة جامعة آل البيت حيث عزم على إيفاد عدد من الطلبة لمتابعة دراستهم العليا في الجامعات الغربية وأراد إعطاء الأولوية لأبناء محافظة المفرق في هذا المجال وقد لاقى ذلك القرار ارتياحاً شعبياً من أبناء محافظة المفرق ولكن للأسف غادر الدكتور الطويسي الجامعة دون أن يتمكن من إكمال المشروع ونأمل من سعادة الأستاذ الدكتور نبيل شواقفة إيلاء هذا المشروع عنايته ويأخذ هذه الأفكار بعين الاعتبار. وختاماً فإن هذه الأفكار هي رؤية شخصية حول دور الجامعة في خدمة المجتمع المحلي وهي قابلة للتعديل والحوار والنقاش من أجل خدمة الوطن واستكمال مسيرة البناء والتحديث وعلى كافة المسؤولين في هذا الوطن الغالي أن يستلهموا مبادرات جلالة الملك المعظم عبد الله الثاني بن الحسين ومكارمه الخيرة والمتعددة تجاه طلبة العلم والتي كانت آخرها تقديم مكرمة ملكية لأسرة طالبة متفوقة من أبناء محافظة العقبة. فنحن بأمس الحاجة لجامعات وطن تقدم للمجتمع مبادرات وتسهم في تلبية حاجات وتطلعات أبنائه فالتعليم سترة للفقراء وزينة للأغنياء وبحاجة لأعضاء هيئة تدريس على صلة بالمجتمع يعرفون أهدافه وحاجاته قريبين من همومه وتطلعاته يطرحوا أفكار وحوارات تساعد على فهم الواقع أولاً ومحاولة تغييره نحو الأفضل ثانياً، لا مدرسين بعيدين عن المجتمع وغريبين عن قيمه وعاداته وتطلعاته في الحياة والحرية والعيش الكريم والأحلام التي لا تعرف حدود، وبخلاف ذلك يبقى أعضاء هيئة التدريس في هذه الجامعات أشباه مثقفين ينتجوا جيل من متعلمين غريبين عن وطنهم وأمتهم وثقافتها وحضارتها، وتبقى الجامعات مجرد جزر معزولة لا علاقة لها بالبيئة المحيطة أو المجتمع المحلي.