هل ستجد أوروبا قوتها في أميركا؟ .

mainThumb

25-02-2008 12:00 AM

اننا بلا شك ، نواجه واحدا من اكبر منعطفات التاريخ التي تحدث من حين لآخر بإشارت لا لبس فيها ، لكن لا يعرف رجال الدولة قراءتها على الوجه المطلوب. قد يقول مؤرخ المستقبل ان الولايات المتحدة قد ادركت منذ العام 2004 اعلى نقطة في توسعها السوسيوسياسي ، وانه كان على جورج بوش الذي اعيد انتخابه ، ان يتبنى برنامج منافسه جون كيري. لكنّ مراقبا اكثر دقة قد يقول لنا ان الانقلاب ، المشابه جدا للانقلاب السوفياتي ، الذي حدث في واشنطن ، في زمنين اثنين ، قد سجل بالفعل انطواءً استراتيجيا على الصعيد العالمي ، المرة الاولى العام 2007 مع اقصاء دونالد رامسفيلد من وزارة الدفاع ، والمرة الثانية العام 2007 ايضا مع البراءة التي منحتها مصالح الاستخبارات للبرنامج النووي الايراني.

هذا التطور الاميركي الذي تسرّعه اليوم قوة الحملة الانتخابية لعام 2008 ، يماثله في بكين وموسكو ، تطوران في الاتجاه المعاكس. فالصين التي تعاني تضخما متناميا ، وهو التضخم الذي أنتجته خمس سنوات من النمو المفرط ، تستعد لتحقيق اصلاح اقتصادي سيؤدي الى تخفيض صادراتها ، على الرغم من ان عملتها لن تزداد الا قوة ، فيما سيفرض سوقها الداخلي نفس?Zه كعامل اساسي لازدهارها.

اما في موسكو فاننا نشهد عملية معاكسة ، حيث ان تباطؤ النمو الصيني سيقابله تسارع في النمو الروسي. اي ان الانطواء النسبي على امبراطورية الوسط ستقابله موجة جديدة من الانفتاح الروسي على رأس المال الاجنبي وعلى تكنولوجيات الخارج ، مما سيجعل الدولة الروسية ، على خلاف عهد يلتسين ، اكثر قوة لتملي شروطها.

اميركا ، بانطوائها ، سوف تؤكد اهمية الاستراتيجة المتنامية في اتجاه أمن المحيط الهادي وتنمية اميركا اللاتينية. فلا شك انه اذا فاز اوباما في انتخابات تشرين الثاني القادم فسوف تتخلى اميركا عن اوروبا نهائيا ، وعن المتوسط ، وعن جزء كبير من الشرق الاوسط.

صحيح ان امن العربية السعودية ، وحرية الملاحة في الخليج سيظلان أهدافا لا رجعة فيها للقوة الاميركية. لكن كل ما تبقى ، بما في ذلك أمن اسرائيل ، قد يتم التخلي عنه شيئا فشيئا لصالح نظرة جديدة "ما بعد بريطانية" ، كانت عزيزة جدا على الملكة فكتوريا ووزير خارجيتها في تلك الفترة ، لورد بالمرستون. وحتى اذا خالف انتخاب ماكين هذا التوجه قليلا فاننا نقدّر انه اكثر المرشحين ميلا الى اليسار في الحزب الجمهوري ، منذ ايزنهاور العام 1952 ، وانه سوف يعيد تقدير حجم الانتشار العسكري الاميركي ، لأنه قادم تحديدا من القوات المسلحة ، ويعرف الطّعم المر للحروب ، ولأنه ايضا ، بحكم عمله في فيتنام ، سوف يمنح الصين واليابان ما تستحقانه من اهمية.

اوروبا ، في مثل هذه الاوضاع الراهنة ، مهددة بسلسلة من الانهيارات على الضفة الجنوبية للمتوسط ، سوف تفسح المجال للعمليات الاسلامية الارهابية والعنصرية. لكن هناك كيان آخر مهدد ايضا وهو روسيا التي بات من الصعب حماية حدودها امام الضغط الديمغرافي لقارة آسيا ، وامام الضغط الارهابي المحتمل للاصولية الاسلامية في الجنوب.

فعلى موسكو وبروكسل ان تواجها مخاطر متقاربة بوسائل متقاربة ايضا: دعم الديمقراطية التركية ، والعمل على تسريع عملية استيلاء الاصلاحيين على السلطة في ايران ، ومراقبة ومعاقبة ، ان اقتضى الامر ، المحور الاسلامي السعودي الباكستاني ، وحماية المغرب العربي وفلسيطن وجيرانها من التصعيد الاسلامي المصري.

اذا كان قلبي يدفعني للتصويت لماكين ، لكنني لست اميركيا ، فان عقلي يدفعني حتما الى انتخاب اوباما الذي لن يسعه الا ان يسارع عملية الانطواء الاستراتيجي للولايات المتحدة التي تلاحظ ، بعد مرور خمسة وعشرين عاما على الحرب الباردة ، انها لا تتعرض لنفس المخاطر واختلالات التوازن التي شهدتها الديمقراطيات القديمة في العالم القديم ، أو روسيا ما بعد الشيوعية.

لهذا السبب وحده لا بد من ان نعلق آمالا كثيرة على الانتخابات الرئاسية الاميركية ، اذا كانت هذه ستتيح لاوروبا الضعيفة ان تجد مفاتيح نهضتها الجديدة.

فعلى غرار الجمهورية الفرنسية الثالثة في مواجهة الخطر الالماني ، تمر هذه النهضة هنا بالتوقيع على تحالف استراتيجي مع الفضاء الأوروآسيوي ما بعد السوفياتي ، يكمّله وفاق دائم مع تركيا.