عيدٌ أو لا عيد

عيدٌ أو لا عيد

07-11-2011 06:04 PM

 ينتظر الناسُ العيد ويتأهّبون له، وأنا أبحث في الناس عن العيد، فلا أجده إلا في قلة من صلحاء زمانهم، لازمهم العيدُ كلَّ لحظات حياتهم، وغيرُهم يدَّعي أن العيد عنده، والعيد يكذّب دعواهُ ويردّها عليهِ.

أبحث عن العيد في الحياة بمعناه فلا أعثر عليه إلا في ربوع الذين تجاوزوا مظهريّة اللفظ إلى جوهريّة الزمن، وهل العيد إلا زمن التعبير عن النضج بتمام الطاعة، وكمال الانقياد، وخلوص العبادة، وعموم الخير.

ليت للكثيرين من العيد سذاجة الأطفال، إذن لحُقَّ لهم الفرح. ولِمَ لا يفرحون وقد سقط عنهم التكليف، وكان العيد لهم هدية البراءة، وتمرين الترقي في التواصل والمشاركة، وإشاعة الفرحة ونشر السرور، واللقاء على قلوبٍ كقلوب الطير رقة وحنانا ورحمة.

لكن كيف يكون لفئام من الناس عيد، وقد زهدوا بمقدماته، وافتقروا لموجباته، وتاهوا عن أسبابه ومقتضياته؟
كيف يكون عيدٌ لمن طالت يدُه في المال العام حيازة واختلاسا؟!! وطال لسانه في خِيَارِ الناس اغتيالا انتقاصا؟!! وبُحَّ صوته في تمجيد العبيد زُلْفةً ونفاقا؟!! وظلت نفسه في حبل هواها مطاوعةً وانسياقا؟!!

كيف لنفس مخمومة بالعصيان أن تستشعر في العيد نسائم الرضوان؟!! وكيف لقلبٍ صار مستعمرةً للأوثان أن يخفق لدعوة الحق، أو يفقه لغة البذل، وضروب الإحسان؟!!

كيف لوجوه معفرة بالفساد، ومُلتاثة بالرخص، ومجبولة بالصلف أن تَمُدَّ اليدَ لتصافح العيد؟!!، فتسري في صفحتها نضارة الصالحين، وتستضيء بشرتُها بعفة القانعين، وترشح من مسامها نداوة الخاجلين.

العيد غمامة ترتفع في فضاءات الزمن تتراءى للجميع على عطش، فتشرئبّ لها النفوس، لكن عطاءها لا يناله كل راغب: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ).

فلحظة العيد لحظة تحمل للناس معانيَ القبول والرفض، والتقريب والإبعاد، والإشادة والإدانة، والنجاة والهلاك بحسب حال الذين تمر بهم دورة زمانه.

العيد لمستحقّه حفلُ إنجاز يعيد كينونة الإنسان إلى توازنها، فتأتي من الأعمال ما يطابق بين السر والعلانية، وتحمل من المشاعر ما يوافق الفطرة وأصل الخلقة، فتتولد السكينة ويحلّ الاستقرار، وتترعرع شجرة الرضا، وما تلبث أن تفيض غُدران القلوب في يوم العيد حبا وسلاما، وألفة وتماسكا يديم على الناس مشاعر العيد لتمتدّ على مدار العام.

العيد رياضة النفس على قواعد الشرع، وضبط السلوك على أصل الحلال والحرام، وبناء العلاقة على أساس الأخوة الإنسانية.

يوم العيد يوم بيعة مع النفس على تجديد نبض الحياة، وعهد على صيانة مسيرة الإنسانية عن الالتواء والتلون على أساس المزاج ورغائب النفوس وتباين الطباع.

العيد صناعة ذاتية، وكلُّ فاقهٍ قادرٌ على أن يصنع عيده بنفسه، وعلى أساس إبداعه، في ضوء ما يعتمل في أعماق وجدانه من إيمان بميثاق ربّه وعهده، لكن من خلا وفاضه من كل هذا، فلا أمل له في إتقان هذه الصنعة، وإنما تـأتي صناعته زائفة لا تحمل من العيد إلا هيكلا لا روح فيه، وأنّى لنفس ماتت فضائلها أن تعرف معنى العيدِ أو يكون لها عيدٌ أصلا.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إلى الأردنيين .. هذه الهواتف سترتفع أسعارها بزيادة قد تصل إلى 240 ديناراً

تحذير للأردنيين بشأن مندوبي التعداد السكاني .. لا تعطوا بياناتكم قبل هذه الخطوة

إربد تحت موجة صاروخية إيرانية غير مسبوقة .. مشاهد توثق ما حدث

فاجعة أطفال الزرقاء تفتح ملف المراوح .. علامات خطرة لا تتجاهلها

من هو اللواء مجدي الحراسيس رئيس هيئة الأركان الجديد ؟

إلى الأردنيين .. تحذير مهم من البحث الجنائي

تفاصيل وفاة الطفل إلياس داخل حافلة مغلقة على لسان والده

مهم لغير الأردنيين بشأن الاستفادة من الخدمات الحكومية عبر سند

من المفرق إلى إربد .. والد أسامة يكشف تفاصيل جديدة حول مقتله

تفاصيل جديدة حول حادث سيناء المروع الذي قضى به 10 أردنيين .. صور

مجلس الوزراء يقر حزمة قرارات تشمل التعليم والطاقة والطفولة والجامعات

بالفيديو .. بلدة أيرلندية تحمل «حجر الأردن» في اسمها منذ 800 عام .. ما قصتها؟

إيران تستهدف مدناً أردنية بموجة صاروخية غير مسبوقة .. فيديو

الملك يكرم شخصيات بارزة في مركز التميز

حق تجهله فتيات في الأردن .. هل يجوز اشتراط عدم زواج الزوج بأخرى؟