تركيا .. خيبة أمل من أميركا

mainThumb

18-10-2012 11:32 AM

 للمرة الثانية خلال أسبوع تفتش تركيا طائرة متجهة إلى سوريا بحثا عن الأسلحة، مما يزيد من احتمال وقوع نزاع عسكري بين البلدين، في حين يحاول الحلف الأطلسي تجنب أي عمل عسكري في سوريا من دون تفويض من الأمم المتحدة، لكن الضغوط الغربية على روسيا ستتزايد بسبب التقرير الذي كشف عن أن نظام الرئيس بشار الأسد يستخدم قنابل عنقودية روسية الصنع ضد المدنيين. الإجراء التركي المتعلق بالطائرة التي كانت تحمل مساعدات إنسانية ومتجهة من أرمينيا إلى دمشق، جاء بعدما أغلقت كل من تركيا وسوريا مجالهما الجوي في وجه الطائرات التابعة للبلدين، وحدث هذا بعدما أدانت موسكو أنقرة لأنها زعمت أن طائرة سورية كانت تحمل أسلحة لنظام الأسد. موسكو قالت إن الحمولة أجزاء من رادار، وردت أنقرة بأنها أجزاء من صواريخ.

 
هذا كله يظهر أن الحرب غير المعلنة بين سوريا وتركيا بدأت تتخذ أبعادا خطيرة منذ إسقاط سوريا لطائرة عسكرية تركية، وبعد تبادل لإطلاق النار بين البلدين، وحادث مقتل ستة مواطنين أتراك بقذيفة سورية، ومن ثم إقدام الطائرات العسكرية التركية على إرغام طائرة ركاب سورية على الهبوط للتفتيش.
 
وحسب مصادر مطلعة، كانت وزارة الخارجية التركية تلقت من «وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية» معلومات تفيد بأن الطائرة السورية محملة بأجهزة ومعدات عسكرية، فأجرت الخارجية اتصالا مع سفارة روسيا في أنقرة وأعلمتها بأن وسائل الدفاع الجوية التركية سترغم الطائرة السورية التي أقلعت من موسكو على الهبوط على الرغم من وجود 18 راكبا روسيا على متنها.
 
ويوم الخميس الماضي رفضت فيكتوريا نولاند الناطقة باسم البيت الأبيض أن تعلق على تقارير وسائل الإعلام التركية بأن الإشارات الأمنية حول محتويات الطائرة وصلت من واشنطن، بل قالت إن واشنطن تدعم قرار أنقرة.
 
وكان مسؤول أمني تركي أشار إلى أن بلاده استندت إلى مادة في القانون الدولي تحرم نقل معدات عسكرية على متن طائرات مدنية أو استخدام المجال الجوي لأي دولة في هذه الحالة، من دون إبلاغ السلطات المعنية مسبقا بالتفاصيل.
 
وذكر مصدر في الخارجية التركية أن سفارة بلاده في موسكو قامت باتصالات مكثفة مع المسؤولين الروس مع تقديم الضمانات بسلامة المسافرين الروس.
 
محلل في الشؤون التركية، لم يستغرب التصرف التركي، لأن تركيا - حسب رأيه - ترغب في إسقاط نظام الأسد بأسرع وقت، لكن في الحقيقة «فإن يديها مقيدتان». وأضاف، إذا كان تصرفها بالتنسيق مع حلفائها، فإنه رسالة واضحة إلى روسيا كي تخرج من الصورة وتوقف تسليح سوريا، وانطلاقا من هذه الخطوة الجريئة يستبعد المرء أن تكون تركيا تتصرف بمفردها.
 
لذلك رأى هيو هوب المسؤول عن برنامج تركيا في «الأزمات الدولية»، أن التصرف التركي يدفع إلى التكهن بأنه «جزء من تراكم أحداث لفرض منطقة حظر جوي». لكن فيودور لوكيانوف رئيس تحرير «روسيا في الشؤون العالمية»، نفى أن يكون الحادث رسالة موجهة إلى روسيا بالذات، لأن موقفها من سوريا واضح ولن يتغير، وهذا ما أكده، قبل حادثة إجبار الطائرة السورية على الهبوط، السفير الروسي لدى لبنان ألكسندر زاسبيكين الذي أبلغ مسؤولا لبنانيا كبيرا بأن الموقف الروسي لن يتغير تجاه نظام وحكم بشار الأسد مهما تطورت الأوضاع في سوريا. وكشف السفير زاسبيكين عن أنه خلال لقاء وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع السفراء الروس المعتمدين لدى الدول العربية، الذي عقد أخيرا في موسكو، وحضره أيضا يفجيني بريماكوف وزير الخارجية السوفياتي الأشهر، وألكسندر سلطانوف مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى الشرق الأوسط المعروف بمعارضته الشديدة للمحكمة الدولية وبدعمه للرئيس الأسد، اتفق المجتمعون على مواصلة السياسة الروسية نفسها.
 
وتبين من محادثة السفير مع المسؤول اللبناني الكبير أن روسيا تنتظر ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، لترى إمكانية عقد صفقة شاملة مع الولايات المتحدة. ونقل السياسي اللبناني للسفير الروسي تحذيرا من مسؤول سوري سابق، بأن سوريا ستتحول قاعدة لـ«القاعدة».
 
من المؤكد أن الاستراتيجية التركية بالنسبة إلى سوريا تغيرت إلى حد بعيد بعد فشل التوقعات التركية، وتوقعات معظم المراقبين السياسيين الدوليين في تحديد موعد نهاية النظام السوري؛ إذ كانت معظم التوقعات، بعد انفجار الأحداث في سوريا، تشير إلى أن النظام سينهار في شهر أبريل (نيسان) الماضي.
 
وحسب مصادر تركية، فإن القيادة التركية لم تأخذ في الاعتبار احتمال استمرار النظام السوري لمدة 18 شهرا، ولا احتمال ترك الموضوع السوري إلى ما بعد الانتخابات الأميركية، ولا احتمال تلقي النظام السوري دعما قويا من كل من روسيا والصين وإيران وبعض المنظمات والقوى المحلية، ولا احتمال أن الغرب ليست لديه خطة للإسراع في إسقاط النظام، كما فعل مع النظام الليبي. وفي الوقت الذي يدعي فيه أنه مكبل اليدين بسبب «الفيتو» الروسي والصيني، فإنه يتنفس الصعداء بسبب هذا «الفيتو» المكرر. لهذا فإن حالة من الاشمئزاز تخيم على القيادة التركية من الموقف الهش للولايات المتحدة وأوروبا أمام مقتل ما يزيد على 25 ألف سوري، وتشريد أكثر من مليوني إنسان، وتدمير سوريا وتحولها إلى «مغناطيس» لكل الجماعات التكفيرية التي لا بد أن تلتفت لاحقا إلى الدول المجاورة لسوريا مثل الأردن، والعراق ولبنان وبالطبع تركيا.
 
أردوغان رد على الانتقادات التي تتهم حكومته بقصر النظر في استقراء المستقبل في سوريا، وعدم تبني استراتيجية عقلانية إزاءها، بأن أكد أن موقف تركيا صحيح وقد أملته عليها التزاماتها الإنسانية قبل مصالحها، غير أن أحمد داود أوغلو وزير الخارجية، تجاوز الحجج الإنسانية عندما قال إن الحالة التي تعيشها المنطقة العربية وتتأثر تركيا بها، هي طبيعية للغاية، لأن شعوب المنطقة أصبحت تعلن رفضها لإدارات وأنظمة لا تناسبها فرضت عليها قبل مائة عام دون إرادتها.
 
هذا الشرح، لم يمنع الكثير من السياسيين الأتراك من أن يحذروا من مخاطر وقوع تركيا في فخ، «تحاول بعض الأطراف الأجنبية والعربية إيقاعها فيه ودفعها إلى الانجراف في المستنقع السوري».
 
ويقول مرجع تركي إن بعض العمليات السورية تبين بشكل واضح أن النظام السوري يحاول إحراج تركيا (خصوصا بعد تصريحات أردوغان النارية) ودفعها إلى الدخول في مواجهة معه، وقد تعتقد تركيا أن عملية عسكرية من جانبها كفيلة بشد الغرب لإقامة منطقة عازلة، لكن بالنسبة إلى المراهنة السورية، فإن دخول تركيا المواجهة يعني حصول دمشق على دعم أقوى من روسيا والصين والعراق وحتى حزب الله وإيران. ولا يستبعد المصدر التركي أن يكون النظام السوري يرى في إقدام تركيا على دخول أراضيه بمثابة طوق نجاة له، يبقيه على قيد الحياة بضع سنوات، بعدما أدرك أنه لو انتصر، فمن المستحيل أن يستمر في السلطة لفترة طويلة... لقد سالت أنهار غزيرة من الدماء.
 
وإذا تذكرنا المظاهرة الضخمة التي سار فيها ما يزيد على 15 ألف علوي تركي في السابع من الشهر الجاري، احتجاجا على سياسات «حزب الحرية والعدالة» التركي (ركز تلفزيون «المنار» على نقلها والتعليق عليها)، ومعارضة رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كلجدار أوغلو (علوي) لأية مواجهة عسكرية تركية مع سوريا، يتبين أن مخطط النظام السوري استدراج تركيا لمواجهة معه هو للحصول على المزيد من الدعم من قبل حلفائه، ولمراقبة ردود الفعل الداخلية التي ستشهدها بعض المحافظات التركية في حال حدوث المواجهة.
 
الغريب في الأمر أن سوريا تراهن على الانشغال الأميركي وعلى الدعم الروسي، وتراهن تركيا على روسيا بأن لا يؤثر توتر الوضع بينها وبين سوريا على العلاقات بينهما، فالدولتان لا تريدان أن تتعرض الاتفاقات التجارية الثنائية للخطر، بما في ذلك عقد المليار دولار الذي منحته تركيا لشركة روسية العام الماضي لبناء مفاعل نووي، وعقود بمليارات الدولارات لبناء خطوط أنابيب عدة لنقل الغاز الطبيعي من روسيا وآسيا الوسطى إلى أوروبا عبر تركيا.
 
في المسألة السورية، يمكن القول: إنه الغاز يا غبي... مع الاحترام للجميع!