مدن السرد

mainThumb

14-03-2013 03:17 PM

 تقع المدينة في الظل.. بالأحرى في جميع الظلال.. نلمحها من دون أن نراها أو نسمعها تماما، لكن في النهاية، في الفصل الأخير والصفحة الأخيرة، يتبين لنا أنها كانت البطلة الأولى في الرواية. هي الحكاية والسرد، وجميع الأشخاص والمذكورين وكل الأحداث والأوصاف والأصوات، كانت، كل بدورها، جزئية صغيرة من جزئياتها.

 
خلف كل رواية عظيمة مدينة بائسة؛ لندن خلف ديكنز.. مآسي لندن. باريس أعطت فيكتور هوغو «البؤساء». دبلن جعلت من جيمس جويس أحد أهم أدباء الإنجليزية. روما صنعت ألبرتو مورافيا. بطرسبرغ صنعت جميع الروس. «ألكسندر بلاتز - برلين»، صنعت ألفرد دوبل. ونيويورك، مثل بطرسبرغ، زودت كتاب الرواية الكبرى بجميع أشخاصهم وأبطالهم والسرد الكثيف، الحاد، المقطر، والماهر، والمدلهم، والحالك، والحزين، مثل مصانعها القديمة وأحلامها القديمة ومهاجريها القدماء والمالئي شوارعها وجاداتها وزواياها المظلمة.
 
في «مانهاتن ترانسفر» يقلد جون دوس باسوس «المعلم» جيمس جويس.. يحول نيويورك العشرينات إلى رواية، أو ملحمة، في المقاييس الإغريقية. يسود انطباع بأن الكتّاب في البلاد الشيوعية كانوا أكثر من انتقد العصر الصناعي والرأسمالي، والحقيقة أنهم الغربيون.. دوس باسوس وويليام فولكنر وجون شتاينبك وجان بول سارتر الذي لم يخجل من القول إن جويس كان «معلمه» أيضا.
 
دائما كان هناك سخط على المدنية سببه العتب والحب.. وقف طه حسين إلى جانب الريف المظلوم، وحاول نجيب محفوظ عبثا الترفق بأهل القاهرة فكانت خيباتهم كثيرة دوما، ونزل علاء الأسواني إلى قلب القاهرة فوجد عمارة قائمة اتخذ اسمها ليحشر أبطاله في عمارة لا وجود لها. «عمارة يعقوبيان» هي صورة القاهرة المصغرة، من أجل ضرورات السرد. وقد أبدع الأسواني في استغلال كل جزء من المبنى الذي أقامه كما تقيم شركات السينما مواقع الأفلام؛ من مدخل البناية وطوابقها، حتى سطحها الذي له عالمه وأشخاصه وأحداثه المتلاحقة من فصل إلى فصل.
 
كلما جئت إلى نيويورك، أستعيد نيويورك دوس باسوس. لست أعرف بكتابة السيناريو، لكنني أعتقد أنها السيناريو الكامل، أو أن أهل هوليوود تعلموا الكثير من هذا الحائك الذي لم يعرف إلا قليلا خارج أميركا. ما يسميه الرسامون «الكولاج»، أو الصورة المؤلفة من عدة ملصقات وخلائط، ابتدعه دوس باسوس في الرواية.. أغنى سرده الحاد والجميل بالناس وأعمدة الكهرباء وأكياس القمامة وزحمة السيارات الفخمة والطنابر والبائسين، ونيويورك تغني بصوت عال ثم تسقط في كارثة الإفلاس.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد