عقدة الشرعية

mainThumb

04-06-2013 02:43 PM

 يخطر لي أن النظام العربي أهدر نصف قرن من حياته وحياة شعوبه، في محاولة إثبات شرعيته، وكأنها عقدته الأولى. كان الرئيس جمال عبد الناصر الأكثر شعبية وجماهير، ومع ذلك ثمة من أقنعه بأن فوزه يجب أن يكون بنسبة 99.999%، وهي بقعة غير ضرورية رافقت حكمه. ورفع صدام حسين النسبة إلى 100%، وهي استحالة بشرية على هذه الأرض. وعدّل علي عبد الله صالح النتائج لتصبح النسبة 96% زائدا بعض الفواصل، من أجل الدقة.

 
وفي آخر انتخابات برلمانية في عهد مبارك، تمنع المصريون عن المشاركة خوفا من أن يفسر الاقتراع تصويتا لجمال. ومع ذلك، تم تدبير النتائج كالعادة لتأمين الشرعية التي بدأ التوريث يهزها ويسيء إليها. وفي غياب الكاريزما الخطابية التي كانت لعبد الناصر، سعى النظام السوري إلى رسم صورة تعظيمية لحافظ الأسد، لم تجعله فقط صلاح الدين، بل أيضا «الصيدلي الأول» والعارف بكل شيء. وفي أول قمة حضرها بشار الأسد، ألقى محاضرة في التاريخ والقومية على رجال من جيل والده، لكي يقول إنه في الرابعة والثلاثين ولكن له من المعارف ما اشتهر عن والده، الذي كان يمضي الساعات مع ضيوفه الأجانب متحدثا في التاريخ والطب.
 
ألغى العرب الانتخابات الرئاسية وأدرجوا حكاية الاستفتاء الذي لا نقاش فيه ولا شرح. إما نعم وإما نعم. والهدف المخفي من ذلك هو منع أي مرشح من خوض المعركة ولو من حيث الشكل. فالرئيس أبدي ومقدس ولا منافس له. أمضى رئيس حزب «الغد» أربع سنوات في السجن لأنه فكر في الترشح. والأخ قائد ثورة الفاتح كان كعادته الأكثر فجاجة، فألغى حتى الاستفتاء المزور حرصا على حكم الشعب وقرار الجماهير.
 
اختلطت «الشرعية» العربية بالتهريج واستغباء الناس واللامبالاة بالأمم الأخرى. فهذه قضية داخلية متعلقة بالسيادة ولا يحق لأحد التدخل فيها. جنابك مع أي خيار: أن يضحك عليك بأرقام فجة أم أن يلغى حتى ذلك التقليد المضحك. أنا مع خيار الفاتح من سبتمبر. فما دام الرئيس العربي يتمتع بصفات «ألوهية» ويعامل نفسه كصنم معبود، فكيف يحق للبشر الخيار بينه وبين المستقبل، بينه وبين الحياة، بينه وبين الرزق والكفاية والكرامة؟
 
يمضي الحاكم العربي ولاياته أو أبدياته في توكيد شرعيته. بشار الأسد يتأمل سوريا ويعلن أنه سيخوض معركة الرئاسة في العام المقبل. قد تتغير النسبة ببضع فواصل. للتضحية.