جبنة كيري .. طلعت فالصو

mainThumb

05-04-2014 08:11 PM

منذ اللحظة الأولى التي انطلقت فيها عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط لحل معضلة الشعب الفلسطيني ابتداء من مؤتمر مدريد في العام 2001 وبرعاية أمريكية مباشرة من قبل الرئيس جورج بوش الأب مرورا باتفاق أوسلو المعيب ومن ثم واي ريفر وكامب ديفيد 2 وما تبعها الكثير مما لا يُحصى من الإتفاقيات. أقول منذ تلك اللحظة منذ أكثر من 20 عاما كانت الصورة واضحة وجلية بأن أي اتفاق سيكون على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه المسلوبة وبخاصة في القضايا والمحاور الأساسية كالقدس وعودة اللاجئين والحدود والمياه وغيرها الكثير الكثير. وقد كان واضحا وضوح الشمس انحياز الولايات المتحدة الأمريكية المطلق والتام لإسرائيل بدون مواربة أوتضليل.

كانت أمريكا ولا زالت هي الراعي الرسمي والوحيد في كل مفاوضات السلام.. أو الاستسلام العربي والفلسطيني أمام إرادة الدولة العظمى ورغبتها في تحصين ابنتها المدللة.. إسرائيل.

سخّرت أمريكا كل جهودها العسكرية والإقتصادية والدبلوماسية في خدمة مآربها وتحقيق أهدافها وأهداف إسرائيل في خلق الأجواء المناسبة للكيان المغتصب وتهميش القضية الفلسطينية وتحويلها لقضية لاجئين وصراع على الحدود وليس صراع وجود.
انطلق الرؤساء الأمريكيون ووزراء خارجيتهم منذ ذلك التاريخ في رحلات مكوكية من أجل تحقيق السلام فما أن يحضر زعيم أمريكي جديد حتى تبدأ رحلات وزير خارجيته نحو إسرائيل ورام الله لاحقا من أجل رسم إطار لإتفاق جديد وسرعان ما تتراجع عنه إسرائيل معلنة أن الإتفاق لن يتم إلا بتحقيق بعض من مطالبها وليعود الوزير مرة أخرى ملوحا بالعصا للسلطة الفلسطينية بيد ومقدما بعض المعونات والتسهيلات باليد الأخرى.

لقد كانت سياسة العصا والجزرة هي السياسة الوحيدة التي اتبعتها الإدارة الأمريكية مع الفلسطينيين بينما كان الشهد والعسل من نصيب إسرائيل دائما.شهدت المنطقة العربية العديد من المتغيرات طوال العقدين الماضيين ما بين تغير في الوجوه ووفاة العديد من الزعماء العرب وسقوط البعض الآخر لتخلو الساحة لإسرائيل في استغلال هذه الزلازل والبراكين عقب الربيع العربي في فرض إملاءاتها على السياسة الأمريكية قبل فرضها بسياسة الأمر الواقع على الفلسطينيين.

وبرز الوزير الأمريكي جون كيري كلاعب أساسي في هذه المرحلة في المفاوضات الأخيرة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. أمضى كيري الشهور الماضية متنقلا ما بين رام الله وتل أبيب وكان يحاول من خلال هذه الجهود إعادة إحياء المفاوضات عبر اقناع إسرائيل بوقف بناء المستوطنات وافقت إسرائيل على مضض وسرعان ما تراجعت عن ذلك بعد أن أعلنت عدة مرات وعلى لسان رئيس وزرائها أو وزير البنى التحتية بإستئنافها لعملية توسيع البناء وزيادة عدد الوحدات الإستيطانية في الضفة الغربية وفي القدس الشرقية. ضغط الوزير كيري على السلطة الفلسطينية بالقبول وبشرط وقف المشروع الفلسطيني بالتوجه للأمم المتحدة ومنظماتها فوافق الرئيس محمود عباس على ذلك في تموز 2013 مشترطا أن تطلق إسرائيل مجموعة من الأسرى الفلسطينيين القدماء على أن تمتنع السلطة عن التوجه للأمم المتحدة خلال تسعة شهور. نجح كيري وبعد مماطلة وتعنت إسرائيلي أن تطلق سراح 104 أفراد من الأسرى على أربع دفعات،فأطلقت مجموعة من الأسرى على ثلاث دفعات وكانت تماطل في كل دفعة للحصول على مكتسبات إضافية غير التي تم الإتفاق عليها.

ولكن حصلت العقبة الأخيرة وهي رفض إسرائيل إطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى إلا بعد أن تعترف السلطة الفلسطينية بيهودية الدولة الإسرائيلية. ولا يخفى على أي عاقل ما النتائج المتوقعة من مثل هذا الإعتراف من فقدان الفلسطينيين لكافة حقوقهم وعلى رأسها عودة اللاجئين وسيعطي إسرائيل الحق لاحقا في طلب التعويض من الفلسطينيين الذين عاشوا على الأرض التي هي ملك لبني إسرائيل.. حسب زعمهم!!!

رفضت السلطة الفلسطينية هذا العبث الإسرائيلي وصعّدت من لهجتها بالتوجه إلى الأمم المتحدة و15 من منظماتها واتفاقياتها ومن أهمها إتفاقية جنيف الرابعة حول حماية المدنيين والتي تعتبر الأراضي الفلسطينية أراض محتلة من قبل قوة أجنبية.
لجئت إسرائيل لحيلة أخرى ومرواغة عجيبة بربط إطلاق سراح الدفعة الأخيرة بإطلاق سراح الجاسوس الأمريكي بولارد من السجون الأمريكية والذي كان قد أدين بتهمة التجسس وحكم عليه بالسجن المؤبد في العام 1986 والذي أنكرت إسرائيل أي علاقة لها بالموضوع فيما قامت لاحقابمنحه الجنسية الإسرائيلية الشرفية في العام 2008!!

رفضت أمريكا الطلب وعاد جون كيري للمنطقة حاملا مقترحات وصفت بأنها سرية ويبدو أنها من النوع الذي لم يرض إسرائيل، وعلى إثر ذلك تم استقبال الرئيس الفلسطيني محمود عباس في واشنطن من قبل الرئيس الأمريكي باراك أوباما للضغط عليه لتأجيل قراره بالتوقيع على المعاهدات الدولية ولكن تمسَّك عباس بموقفه وعاد مؤخرا ليعلن في الأول من أبريل توقيعه رسميا على 15 معاهدة دولية وضاعت جبنة كيري وجزرته، ولم تفلح في تغيير الموقفين وبالذات الموقف الإسرائيلي المتعنّت والموقف الفلسطيني الثابت.

جبنة كيري ليست هي الجبنة ذات العلامة التجارية المعروفة، ولكنها جبنة من نوع خاص صُممت من أجل تحقيق الأهداف والمآرب الأمريكية في صالحها وصالح إسرائيل، والفلسطينيين والعرب في آخر سُلّم اهتماماتهم.. يعني بالعربي الفصيح جبنة كيري طلعت.. فالصو!!