معركة كسر الإرادة والصمود

mainThumb

26-04-2014 09:33 AM

أحيا الشعب الفلسطيني منذ أيام مضت يوم التضامن مع الأسير الفلسطيني والذي يصادف 17/ 4 من كل عام. كانت البداية مع تحرير أول أسير فلسطيني وهو محمد بكر حجازي في نفس التاريخ من العام 1974 عندما تمت عملية استبدال الأسرى مع العدو الصهيوني في رأس الناقورة شمال فلسطين المحتلة في نقطة الحدود مع لبنان. كانت عملية الاستبدال مع الحركة الوطنية الفلسطينية هي أول اعتراف إسرائيلي غير مباشر بالشعب الفلسطيني وممثله الشرعي منظمة التحرير الفلسطينية في تلك الأيام، ومنذ ذلك اليوم وشعبنا يحيي هذه الذكرى كيوم للتضامن مع الأسرى أملا في إطلاق سراحهم والتي تعتبر أزمة متواصلة عسيرة يكابدها الفلسطينيون منذ احتلال فلسطين في العام 1948.


شكّل هاجس الأسرى لدى القيادة الفلسطينية حملا كبيرا وهما ثقيلا لما له من أبعاد سياسية وانسانية ونفسية على الأسير وعائلته، وسَعَت جاهدة طوال عقود للإفراج عنهم في صفقات تفاوضية عبر طرف ثالث حتى بدأت المفاوضات المباشرة بعد مؤتمر مدريد في العام 1991. وعلى الجانب الآخر اتخذت إسرائيل من السجن وسيلة لقمع مقاومة الشعب الفلسطيني في سعيه لاسترداد وطنه السليب، وبذلت جهودا شيطانية لكبت جموح المقاومين بالسجن والاعتقال والتعذيب في معركة شرسة مع الإرادة الفلسطينية. نجحت إسرائيل في الزج بهم وبأحكام قضائية أشبه بالمسرحيات فالكثير منهم حُكم عليه بالسجن عدة مؤبدات ولسنوات فلكية، وسُجن البعض انفراديا لشهور مديدة بعد أن خضعوا جميعا وبلا استثناء للتعذيب الجسدي والنفسي وبوحشية العدو الحاقد. كان ولا زال الأسير الفلسطيني ورقة الضغط التي تستعملها إسرائيل لابتزاز السلطة الفلسطينية ومن قبْلها منظمة التحرير في عقود خلت من أجل تحقيق تنازلات فلسطينية جوهرية لصالح الكيان الصهيوني. لكن صمود الأسرى في المعتقلات كان اسطوريا حيث فوّتوا الكثير من الفرص على إسرائيل في الاستمرار على نهجها في المراوغة والمكر والخداع. نجح الأسرى وعبر سنوات طويلة ومريرة من الاعتقال في مقاومة المحتل بكل الوسائل وكان من أهمها الإضراب عن الطعام وعدم الرضوخ لإغراءات إسرائيل بالعمالة والتخابر معها من أجل تخفيف محكومياتهم أو إطلاق سراحهم ضمن صفقات مستقبلية.


قدم الفلسطينيون العديد من الشهداء والتضحيات الجسيمة الأخري فمنهم من فقد بيته الذي هدمته جرافات العدو، ومنهم من جُرفت أراضيهم وقُطّعت أشجارهم المثمرة أو ابعدوا عن أرض الوطن. وكان للأسير أيضا حُصّة من فاتورة الصمود والتحدي هذه دفعها مثله مثل غيره من أبناء الشعب الذي لا يزال يكافح دفاعا عن حقه في الأرض والوطن والعيش بحرية.


لكنّ الموجع في أمر الأسير أن آلامه مستمرة وجرحه لا زال ينزف فكان لا بد من العمل دائما على إطلاق سراحهم في أسرع وقت ممكن، مع العلم بأن إسرائيل ما أن تطلق مجموعة منهم حتى تعتقل غيرهم ولكن الاستمرار في النضال لا يجب أن يتوقف وبخاصة لأجل الأسرى الذين أمضوا فترات طويلة جدا في غياهب السجون.


استخدم الأسرى وسائل مقاومة متعددة وأشهرها معركة البطون الفارغة؛ والتي هي إضراب عن الطعام بشكل جماعي ومستمر حتى يتم تحسين أوضاعهم وتحقيق بعض مطالبهم، كالطعام الآدمي وحق الطبابة والعلاج والسماح بالزيارات ووقف السجن الانفرادي ومنع التعذيب الجسدي والنفسي وكل وسائل التحطيم للأسير والكثير من الحقوق المتواضعة التي لا بد أن تتوفر في السجون.


وقد تمتاز إسرائيل وتتفرد عن غيرها من الدول بما يسمى الاعتقال الإداري وهو نوع من الاعتقال التعسفي وبغير دليل أو وجه حق سوى الاشتباه أو الظن. وقد بلغ عدد المعتقلين الإداريين اليوم أكثر من 300 معتقل ممن لم يتم محاكمتهم أصلا وقد يسجن بعضهم لسنوات بدون محاكمة، مع العلم بأن المحاكمات بحد ذاتها محاكمات عسكرية هزلية يتوفر فيها كل شيء إلا العدالة.


وهذه الأيام تعيد إسرائيل الكرّة مرة أخرى فتستعمل ورقة الأسرى للضغط على السلطة الفلسطينية من أجل الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية من أجل إطلاق سراح الدفعة الرابعة من قدماء الأسرى الذين أمضوا أكثر من 20 عاما في سجون الاحتلال. هذه الدفعة التي تم الاتفاق مسبقا على إطلاق سراحها ولكنه ديدن بني صهيون الأزلي في نقض العهود والمواثيق. وبعد الاتفاق الذي تم منذ أيام بين السلطة وحماس أظن أن إسرائيل سوف لن تفرج عن هذه الدفعة الرابعة من الأسرى عقابا للسلطة على تمردها وعدم خضوعها للإملاءات الإسرائيلية.


والمؤشر الجيد أن السلطة الفلسطينية ورغم الضغوط الإسرائيلية والأمريكية الهائلة وانشغال العالم العربي بعواقب ربيعه، لم تتزحزح أو تتراجع ويساندها في ذلك كافة أطياف الشعب الفلسطيني بما فيهم حركة حماس.
سلسلة عظيمة من التضحيات قدمها الأسرى ولا زالوا من أجل العيش بحرية وكرامة ضاربين أروع النماذج في مدرسة الصمود الفلسطيني والتصدي لأشرس صراع على وجه الأرض صراع الوجود وليس صراع الدويلة والحدود.