سنوات الملح .. وأعوام السّكر

mainThumb

02-09-2014 01:03 AM

 منذ أيام مضت مرت ذكرى عيد ميلادي لتشكل مفصلا بين سنوات مضت بما فيها من أحلام جميلة تحققت وبين آلام مريرة تنوعت. مرت هذه الذكرى بعد  أعوام حلوة كالسكر أضفت طعما لذيذا على حياتي وحياة من حولي من الأهل والأحبة، وسنوات من الملح التي ما أن أصابت الجرح حتى أشعلت فيه نيران الألم ومرارة الأيام. ولا شك أني أدرك كغيري من البشر أن لا حياة بدون آلام وأوجاع، كما أن الحياة لا تخلوا من لحظات جميلة وأيام سعيدة تَقرّ فيها عيوننا وتسعد. الكثير منا تمر عليه مراحل من الانجازات على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والعلمي وغيرها، وفترات من الإخفاق والفشل مما تحفل بها الحياة الدنيا وتزخر.

 

أسترجع مع هذه الذكرى العديد من الأحداث السياسية التي أتخمت ذاكرتي ومنها الثورة الإيرانية على الشاه في العام 1978 وتولي الإمام الخميني إدارة دفة الحياة السياسية في إيران. وأذكر أيضا كيف اعتلى صدام حسين سدة الحكم بعدما أجبر سلفه محمد حسن البكر على التقاعد بحجة المرض وذلك في العام 1979 ثم ما تبع ذلك من اشتعال الحرب العراقية الإيرانية في العام 1980 والتي استمرت لمدة ثمان سنوات. ولا يغيب عن ذهني أبدا زيارة الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات لإسرائيل وخطابه في الكنيست الإسرائيلي لتبدأ معه مرحلة جديدة من تداعي الوحدة العربية والتي انتهت باغتيال الرئيس المصري في أكتوبر من العام 1981 بحادثة فريدة من نوعها في العالم العربي.
 
ولا يمكن أن أنسى أبدا أحداث اجتياح إسرائيل لجنوب لبنان في صيف 1982 وصولا إلى بيروت وما تبع ذلك من حصارها وقصفها لما يقارب الشهرين، ومن ثم إجبار المقاومة الفلسطينية على مغادرة لبنان نهائيا إلى الشتات في تونس واليمن والسودان وغيرها. ولا زال يعتمل في ذاكرتي مجزرة صبرا وشاتيلا أكبر وصمة عار على جبين الكيان الصهيوني بقيادة وزير الدفاع حينها المقبور أرييل شارون ومن سانده من ميلشيات القوات اللبنانية والتي ارتكبت المجزرة تحت حراسة الحِراب الإسرائيلية والتي انتهت بقتل ما لا يقل عن 3 ألاف فلسطيني في أسوأ مجزرة مرّت على البشرية في العصر الحديث.
 
سنوات كثيرة فيها العديد من الأحداث التي عايشتها ومنها بل وأسوأها الاحتلال العراقي لدولة الكويت في الثاني من أغسطس للعام 1990 والذي عايشت ظروفه كلها يوما بيوم وعاينت بأم عيني حجم الدمار والمعاناة التي تعرض لها الشعب الكويتي لمدة سبعة شهور انتهت بتحرير الكويت من قبل قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في 26 فبراير من العام 1991.
 
كان اللافت في موضوع احتلال دولة الكويت أيضا إقدام أفراد من الجيش العراقي وبأوامر من القيادة على حرق آبار النفط من خلال تفجيرها مما شكل سحابة سوداء داكنة لأشهر عانينا فيها الكثير من المشكلات التنفسية حتى تم إطفائها من قبل فريق من المتطوعين الكويتيين. 
 
وطبعا لم تخل تلك الأعوام من مناسبات جميلة جدا كتخرجي من الثانوية العامة ومن ثم من كلية طب الأسنان وبداية عملي في وزارة الصحة في دولة الكويت حتى تاريخه. لا يمكن أن أيضا أنسى زواجي من شريكة حياتي وأم أطفالي الذين منّ الله علىّ بفضله وكرمه أن رزقني بهم متمتعين بالصحة والعافية وأثروا حياتي وجعلوا لها معني وهدف.
 
وكلما مرت ذكرى يوم ميلادي أحاول قدر المستطاع أن أنظر للخلف لأخذ العبرة من أجل تحقيق مستقبل أفضل، هذا بالإضافة إلى أن تلك المناسبة تنعش فيّ دائما إحساس سام وجميل هو الشكر والعرفان للوالدين؛ بعد الله سبحانه وتعالى بالطبع، ولدورهما في إخراجي لهذه الحياة ورعايتهما لي حتى اشتد عودي وقوى ساعدي وأصبحت مستقلا بنفسي لأمضي في حياتي وأتمم المسيرة. لحظات جميلة أستعيد فيها ما استطعت تذكره من ذكريات جميلة مع والدتي الحبيبة أطال الله في عمرها وكم تعبت وعانت وسهرت الليالي من أجل أن تراني في أحسن حال. ولا شك أن قدوتي الأولى كان والدي الفاضل حفظه الله فأستعيد دائما هدؤه المتزن وصرامته الفريدة وأسلوبه الجميل في التربية والتنشئة، كل ذلك وأكثر تداعى لذاكرتي وفي مخيلتي مع اقتراب عقارب الساعة من يوم ذكرى تاريخ ميلادي.
 
وذات مرة وفي مقابلة أجراها الإعلامي الشهير مفيد فوزي مع الفنان موسيقار العصر الراحل محمد عبدالوهاب سأله سؤالا وهو: هل تحتفل بعيد ميلادك سنويا؟ فأجابه الموسيقار بلكنة مصرية لاذعة وكيف لي أحتفل يا هذا بنقصان سنة من عمري.. كيف؟ 
 
وبصراحة لا أذكر أبدا أني قد احتفلت بعيد ميلادي وأنا طفل أو فتىً يافعا أوشابا أو حتى رجلا ولم أشعر أبدا بالحزن على ذلك أو بالنقص، بل كان أمرا اعتدته عن قناعة مني حتى انكسرت هذه القاعدة منذ أيام عند منتصف الليل وإذ بأولادي حفظهم الله انطلقوا بغناء "عيد ميلاد سعيد يا بابا" وبشكل عفوي جميل؛ كلمات لامست قلبي وأسعدتني وأضفت البهجة والسرور علينا، فاحتضنتهم جميعا وتمنيت من الله أن يبارك فيهم ويجعلهم من الصالحين البارين الأتقياء. ولا بد لي أن أشكر عائلتي الكبيرة وكل من تقدم لي بالتهنئة على صفحتي الخاصة في الفيسبوك والتي تحمل عنوان "يوميات طبيب أسنان" والذين يقارب عددهم        5000 شخص مما أضفى على يومي طعما لم أذق له مثيلا من قبل.