وقف التحريض مهم .. لكن هناك ما هو أهم

وقف التحريض مهم ..  لكن هناك ما هو أهم

09-11-2014 09:39 AM

بعد جريمة الأحساء الإرهابية في السعودية الإثنين الماضي كتب كثير من السعوديين عن ضرورة وقف التحريض المذهبي في الداخل. وهذا مطلب يعكس شعوراً ملحاً ومبرراً بضرورة التحصن ضد الطائفية. وهو شعور محق ونبيل. لكن السؤال: هل يكفي الآن وقف التحريض الطائفي في الداخل لوقف تسلل الطائفية ومعها الإرهاب إلى هذا الداخل؟ حتى عام 2003 كان هذا ممكناً. آنذاك كانت الطائفية إرثاً فكرياً كامناً داخل كل بلد عربي، ويمكن إيجاد حلول داخلية له، يأتي في مقدمها وقف التحريض والتخندق الطائفي. آنذاك كان هذا خياراً يمكن أن يؤسس لمخرج. لكن بعد العام 2003 لم يعد الأمر على ما كان عليه. لنتذكر بأن هذا العام كان عام الغزو الأميركي للعراق، وأن المنطقة بعده لم تعد كما كانت عليه قبله.


جاء الغزو الأميركي بالنفوذ الإيراني إلى العراق، ومعه بطاقم حكم شيعي يرى أن الطائفية هي مستند بقائه في هذا الحكم. وقد شعر المكون السنّي بأنه المستهدف الأول في هذا التحول، وبأن عليه أن يدفع فاتورة حكم النظام السابق. كان رد فعله متوقعاً. في هذه الأجواء تحولت الطائفية في العراق إلى مؤسسات سياسية، وميليشيات عسكرية تقتل على الهوية، ومن ثم إلى حروب أهلية متصلة. استمر الأمر كذلك حتى انفجار الثورة السورية في آذار (مارس) 2011. هنا تقاطعت تداعيات الحرب الأهلية في العراق مع مجريات الثورة السورية. وإذا كان وصول الطائفة الشيعية الى الحكم في العراق، ومعها النفوذ الإيراني، قد تحقق على يد الجيش الأميركي، فإن ثورات الربيع العربي هيأت للغالبية السنيّة السورية فرصة التخلص من النظام الحاكم من دون تدخل خارجي، خصوصاً تدخل أميركي. من هنا رأت إيران في هذه الثورة خطراً يهدد نفوذها في العراق، وقبله في لبنان، وينسف خطابها السياسي من أساسه. لذلك وقفت مع النظام السوري بالمال والسلاح، ثم بالميليشيات. وعندها تمددت الحرب الأهلية من العراق إلى سورية، وانتشرت الميليشيات، سنيّة تقاتل النظام، وشيعية تدافع عن النظام.


نتيجة كل ذلك الآن باتت واضحة. تحولت الطائفية من إرث فكري كامن، خاص بكل بلد عربي على حدة، إلى ثقافة سياسية إقليمية متشابكة، وإلى حروب أهلية طاحنة، وميليشيات تنتشر في كل مكان تقريباً. هل يعني هذا ضرورة التوقف عن محاربة التحريض ووضع حد له؟ بالطبع لا، وألف لا. لكنه يعني أن إطار وقف التحريض تغيّر من كونه محلياً إلى أنه أصبح إقليمياً. لم تعد الطائفية قضية محلية. أمست قضية إقليمية متفجرة، وبالتالي قضية سياسية متداخلة تفرض نفسها على الجميع، من خلالها يؤثر الإقليم في الداخل، كما يؤثر هذا الداخل في الإقليم.


لكن هناك ما هو أخطر من التحريض، وهو أن تحول الطائفية إلى قضية إقليمية، يشير إلى أن هذه الطائفية تحولت إلى مشروع، وليست مجرد مناكفات عاطفية، وأن التحريض بكل أنواعه ومستوياته ليس إلا أداة من أدوات هذا المشروع. وقبل أن تسأل: مشروع من هذا؟ اسأل متى بدأت الطائفية بالتحول في المنطقة إلى مؤسسات وأحزاب سياسية، وميليشيات مقاتلة؟ على الأقل منذ نهاية الحرب العالمية الأولى شهدت هذه المنطقة كل أنواع الصراعات والخصومات، بما في ذلك الاستعمار وقيام دولة إسرائيل، ولم تكن الطائفية حاضرة فيها. كان الخطاب السائد لتلك الصراعات تطغى عليه آيديولوجيات ومفردات يسارية أو قومية. لم يحصل في العصر الحديث أن تحولت الطائفية في المنطقة إلى عملية ومؤسسات سياسية فاعلة على الأرض، إلا بعد الثورة الإيرانية عام 1979. عندها، وعندها فقط بدأت الطائفية تبرز بشكل تدريجي لتصبح جزءاً أساسياً من المشهد. وهذا يعني أن الطائفية مشروع إيراني. كانت الثورة الإيرانية في جذرها الأول ثورة اجتماعية سياسية على نظام الشاه، لكن التيار الديني اختطفها بزعامة آية الله الخميني لتنتهي إلى تأسيس دولة دينية. والدولة الدينية هي بالتعريف دولة طائفية. وهذا ما تنص عليه المواد (12) و(72) و(115) من دستور هذه الدولة. وعلى هذا الأساس أصبحت الطائفة هي المعيار الأول والأساسي لتحالفات الجمهورية الإسلامية في المنطقة. وعلى الأساس نفسه تبنّت إيران فكرة الميليشيا العسكرية كأداة لدورها الإقليمي ابتداء من «حزب الله» اللبناني، وانتهاء بالميليشيات الأخرى في العراق والشام.


لماذا تحتاج إيران إلى مشروع مذهبي؟ لأنها أولاً دولة دينية، وثانياً لأن قيادة هذه الدولة مقتنعة بأن تفجير الصراع المذهبي في الدول العربية هو السبيل الممكن والأمثل لتحقيق الاختراق، وتوسيع نفوذها خارج إيران. وهذا في الواقع ما حصل حتى الآن.
هل يجوز في هذه الحال التركيز على أداة وقف التحريض المذهبي في الداخل، وترك المشروع بكل أدواته الأخرى وشأنه؟ تنبع وجاهة السؤال من حقيقة أن تفجير الصراع المذهبي لم يكن ليتحقق لو لم تكن البيئة المحلية مهيأة وقابلة له. وهذا صحيح تماماً، ويؤكد الحاجة إلى وقف التحريض في الداخل كأداة لتحصينه، ونزع قابليته للتفجير. لكن وقف التحريض ليس إلا خطوة أولى. فإذا كان المقصود بوقف التحريض هو تحييد المذهب، وتغليب الانتماء الوطني عليه، فإنه يقتضي أن يكون هناك مشروع وطني، وخطاب وطني شامل يعبّر عنه، ويقدم بديلاً عن المشروع المذهبي الإيراني. وهو ما لم يتحقق حتى الآن. هذا على المستوى المحلي، وهو مستوى لا يمكن تحت الظروف والمعطيات السائدة عزله عن مؤثرات ما يحدث في الإقليم المجاور الذي تهيمن عليه إيران بسياساتها وممارساتها من خلال حلفائها. بعبارة أخرى، وقف التحريض بشكل كامل، وليس وقفاً جزئياً، يتطلب إلى جانب المشروع الداخلي تفاهماً مع إيران. وذلك لأن الإرهاب الشيعي، والتحريض الشيعي مرتبط بالسياسة الخارجية لإيران. وبالتالي يحتاج الأمر إلى إقناع إيران بالتخلي عن الطائفية كأداة في دورها الإقليمي. وهنا يأتي دور السياسة الخارجية السعودية وغيرها من الدول العربية. لكن هذه السياسة لا تبدو فاعلة بالقدر الذي يتناسب مع حجم المشكلة، وحجم الخطر الذي تمثله. وإذا كان التفاهم مع إيران للوصول إلى هذا الهدف ممكناً، فهو المطلوب والأفضل، وإلا فلا مناص من مواجهة مشروعها بكل ما يتطلبه ذلك.


ستقول إن مثل هذا الطرح كبير ومعقد، ومتطلباته كبيرة. لكن تذكر أن التعلق بمجرد وقف التحريض في الداخل هو تبسيط لأمر ترك حتى تعقد وكبر بأكثر مما كان متصوراً. نعم يجب أن يستمر وقف التحريض. لكن الاكتفاء بذلك، والظن بأنه وحده سيوفر حلاً هو نوع من الوهم. هذا ليس حلاً، وإنما هروب منه. تجاوز الزمن في المنطقة محطة الحلول المحلية الفردية لمثل هذه المشكلة المتداخلة والخطرة. ثم تذكر بأن كون الطائفية في أيامنا هذه أصبحت قضية إقليمية يعني أن التحريض السنّي على الشيعة، والشيعي على السنّة لم يعد محلياً، وإنما تكفلت الفضائيات بتحويله إلى ممارسة إقليمية، ودولية. وإذا أضفت إلى ذلك الحروب الأهلية التي تشجعها إيران، وتغذي التحريض، وتتغذى منه، عرفت أن وقف التحريض السنّي يتطلب بالضرورة وقف التحريض الشيعي، والعكس صحيح تماماًَ. كيف يمكن تحقيق ذلك على المستوى المحلي، مع تجاهل المستوى الإقليمي بتفجراته وتشعباته؟

* الحياة



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

واشنطن تؤكد عقد محادثات جديدة بين لبنان وإسرائيل في روما

عراقجي يبحث أمن مضيق هرمز مع نظيريه السعودي والعماني

الجيش يسقط طائرة مسيّرة في الصحراء الشرقية بعد اختراقها الأجواء الأردنية

الذهب يتراجع تحت ضغط الدولار والأنظار تتجه لاجتماع الاحتياطي الاتحادي

النفط يواصل انخفاضه مع توقف الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران

‏نجوم الأغنية الأردنية يحيون أمسية غنائية ضمن فعاليات مهرجان جرش

نتنياهو في واشنطن للقاء ترامب لأول مرة منذ بدء الحرب مع إيران

مجلس النواب يناقش اليوم معدّل قانون الملكية العقارية

الولايات المتحدة تبدأ مراجعة وجودها العسكري في أوروبا

طقس صيفي حتى الخميس وحار الجمعة

تصعيد متواصل في الضفة .. اقتحامات إسرائيلية وهجمات للمستوطنين

وزيرة الخارجية اليمنية: مستعدون لأي تصعيد مع الحوثيين

غوتيريش يدعو إلى دعم دولي "هائل" لسوريا ويطالب إسرائيل بوقف انتهاكاتها

حميدتي يوجه بتغيير خطة "الدعم السريع" بعد تقدم الجيش شمال كردفان

بنك الإسكان يحقق أرباحاً صافية بمبلغ 82.2 مليون دينار في النصف الأول من عام 2026

الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة

منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن

هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك

‏وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي

إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

فضل شاكر وجورج وسوف بمجلس النواب الأردني .. ما القصة

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم

مهرجان أبوظبي 2026 يواصل فعالياته أكتوبر القادم

الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله

إيقاف القسائم البلاستيكية .. مهم بشأن رخص القيادة والمركبات

تدهورت صحته وضعف بصره .. فنان مصري يعتزل التمثيل

اتحاد منتجي الدواجن: نظام "الطيبات" يفاقم خسائر القطاع في مصر

قفزة كبيرة بأسعار الذهب محلياً اليوم