أوباما أمام عاصفة أميركية !

أوباما أمام عاصفة أميركية !

19-07-2015 07:33 PM

 بعد لحظات من توقيع الاتفاق النووي بين الدول 5+1 وإيران يوم الثلثاء الماضي انفجر جدل واسع، حاد أحياناً، داخل الولايات المتحدة بين مؤيد ومعارض. وبات من الواضح أن إدارة أوباما كانت تتوقع أن الاتفاق، بالصيغة التي انتهى إليها، سيكون موضوعاً لجدل حاد سينقسم الرأي العام إزاءه في شكل قد يؤثر سلباً في مآله في الكونغرس. لذلك، سارع الرئيس باراك أوباما إلى استباق الحدث بأن أعطى أولاً حديثاً مطولاً لصحيفة الـ «نيويورك تايمز» المؤيدة في اليوم نفسه، وبعد ساعات من إعلان الاتفاق. ثم في اليوم التالي، عقد مؤتمراً صحافياً طويلاً لتقديم مرافعة مفصلة عن الاتفاق كإنجاز كبير لمصلحة الأمن القومي الأميركي. وكان من الواضح في حملة الرئيس الإعلامية أن جانب الإنجاز الذي يشير إليه يتمحور حول مسألة واحدة، وهي أن الاتفاق يمنع إيران من إمكان امتلاك سلاح نووي.

 

لم يفاجأ الرئيس ولا إدارته بكمّ الانتقادات التي وجهت للاتفاق، ولا للاستراتيجية التفاوضية التي اعتمدها، وبالتالي لأداء فريقه التفاوضي، منذ اللحظات الأولى التي أعقبت إعلان الاتفاق. لكن يبدو أن الرئيس فوجئ بحدة المعارضة أحياناً لما يعتبره هو إنجازاً ديبلوماسياً. وبرز ذلك في المواجهة التي حصلت في المؤتمر الصحافي بينه وبين مندوب محطة CBS الشهيرة ميجور غاريت، إذ اتهم غاريت الرئيس بأنه يحتفل بالاتفاق هنا في واشنطن غير آبه بمصير أربعة صحافيين أميركيين في السجون الإيرانية، إلى جانب أنه أذعن لتمرير الاتفاق بتقديم آخر التنازلات برفع الحظر، ولو بعد سنوات، عن إيران في موضوع الأسلحة التقليدية، والصواريخ الباليستية، في موقف مخالف لرئيس أركان الجيوش الأميركية مارتن ديمبسي، الذي رأى في شهادة له أمام الكونغرس أنه لا ينبغي رفع هذا الحظر تحت أي ظرف من الظروف. ومع أن إجابة أوباما اتسمت في بدايتها بحدة واضحة تجاه غاريت، إلا أنه حاول تبرير موقفه من المسألتين، لكن من دون نجاح في وضع حد لجدل من الواضح أنه سيتصاعد، خصوصاً مع بداية مناقشة الاتفاق في الكونغرس.
 
من هنا ليس من المبالغة القول إن ردود الفعل الأولى تكشف أن هناك تياراً قوياً وواسعاً داخل الولايات المتحدة يعارض الاتفاق النووي بالصيغة التي انتهى إليها. مايكل جيرسون، مثلاً، وصف الاتفاق في الـ «واشنطن بوست» بأنه متهور. أما الكاتب اليميني المعروف تشارلز كروثهامر فاعتبر الاتفاق في الصحيفة نفسها الأسوأ في تاريخ الديبلوماسية. مجلة «آتلانتيك» نشرت نقاشاً مطولاً بين ثلاثة كتّاب تباينت وجهات نظرهم في شكل لم يحسم الجدل بوضوح. اللافت في غمرة الجدل حتى الآن أن صحيفة «واشنطن بوست» تعارض الاتفاق، في مقابل صحيفة «نيويورك تايمز» التي تؤيده لأنه يمنع وقوع الحرب. لكن اللافت أيضاً أن ردود فعل المؤيدين للاتفاق، أو الذين يغلبون تأييده على معارضته، تميزت بأنها أكثر تردداً وحذراً في التعبير عن مواقفهم في مقابل المعارضين الذين كانوا أكثر وضوحاً وحسماً. من هنا خلت مداخلات المؤيدين من عناوين ومواقف حادة ومباشرة. ولعل أكثر ما ميز مواقف هؤلاء أنها أكثر ميلاً للتبرير منه للتحليل، إذ ينطلق هؤلاء من أن الاتفاق حقق الهدف الذي كان ينتظر منه، وهو وضع حد للطموحات النووية لإيران من دون اللجوء لخيار الحرب. هم يعترفون بأن هذا الحد الذي تم إنجازه موقت، أو محصور بفترة زمنية تتراوح بين عشر وخمس عشرة سنة، هي عمر صلاحية الاتفاق. كما يعترفون بأن الاتفاق همش السلوك السياسي لإيران، وجعله خارج المفاوضات تماماً. لكنهم يتفقون مع الرئيس أوباما على أن هذا هو ما كان ممكناً تحقيقه في ظل المعطيات الإقليمية والدولية، والتوازنات التي تخضع لها في الظروف الحالية.
 
في المقابل من الواضح أيضاً أنه ليست هناك معارضة للهدف الذي يفترض أن الاتفاق كان يسعى إلى تحقيقه. وإنما تتركز المعارضة حالياً على نقطة واحدة، وهي أن الاتفاق أقرب من الناحية التقنية للفشل في تحقيق الهدف المنشود منه. فهو من ناحية يبقي على المنشآت النووية الإيرانية كما هي. ولأن القيود التي يضعها على النشاطات النووية، من ناحية ثانية، موقتة لا تتجاوز في غالبيتها خمس عشرة سنة، فإن هذا يعني أنه من حق إيران التحلل من تلك القيود، واستئناف وتطوير نشاطاتها النووية بعد هذه المدة. وبالتالي فالاتفاق اعتراف مقدم بإيران كدولة على عتبة امتلاك السلاح النووي. وما يأخذه المعارضون على إدارة أوباما من هذه الزاوية أنها بدايةً، قبلت بمبدأ التفاوض على اتفاق من هذا النوع، وبالتالي لم يعد أمامها غير القبول بالصيغة التي انتهى إليها، وكل ذلك من دون أي ثمن سياسي مقابل. وهذا هو المعنى الذي ركز عليه أوباما في حملته الإعلامية بأنه لم يكن هناك إمكان لاتفاق أفضل، وأن على المعترضين تقديم البديل الذي يرون أنه الأفضل في هذه الحال. لكنّ معارضي الرئيس يرون أنه هو الذي حصر خياراته في التفاوض على الجانب التقني للاتفاق، متجاهلاً البعد السياسي تماماً، ومن ثم فإن حديثه عن البديل هنا غير ذي معنى، إلا في حال إقراره أولاً بعلاقة وأهمية هذا البعد السياسي للموضوع. ويرى المعارضون أن تجاهل الرئيس للبعد السياسي نابع أولاً من ميله الطاغي لعدم المواجهة، ومن رغبته القوية في تحقيق أي إنجاز يبدو له أنه مهم لإرثه في السياسة الخارجية، وبأي ثمن. وفي سبيل ذلك يرى هؤلاء المعترضون أن الرئيس قدم تنازلات سياسية مسبقة قبل دخوله إلى المفاوضات: سلم بالنفوذ الإيراني في العراق، وفي سورية.
 
وقبل ذلك تنازل عن خطه الأحمر في ما يتعلق باستخدام النظام السوري السلاح الكيماوي. فعل كل ذلك حتى لا يصطدم سياسياً بإيران، ويعرقل التفاوض النووي معها. بمثل هذا الموقف أظهر أوباما أن أميركا في عهده أضعف سياسياً مما هي عليه في حقيقة الأمر، أو هكذا يبدو. وهذا تحديداً ما يجعل أقوى نقاط المعترضين على الاتفاق تتعلق بالناحية السياسية، بمعنى أن الاتفاق كما تم التفاوض عليه، وبالصيغة التي انتهى إليها يوفر غطاء دولياً يبقي على السياسات الإيرانية في الشرق الأوسط كما هي، وهي سياسات تزعزع الاستقرار، وتنشر الإرهاب والفوضى في المنطقة، ومن ثم تشكل تحدياً للولايات المتحدة نفسها. يتساءل المعترضون: هل الاتفاق، وهو موقت في كل الأحوال، وبكل ما يعتريه من نقاط ضعف تقنية، يستحق مثل هذا الثمن السياسي الكبير؟ وهو سؤال فشل الرئيس حتى الآن في التعامل معه.
 
هذا ما يتعلق بالجانب الأميركي للجدل وردود الفعل على الاتفاق. ماذا عنا نحن في العالم العربي، وفي السعودية تحديداً باعتبارها شريكاً مهماً لأميركا؟ ما هو موقفنا مما حصل؟ وكيف ينبغي أن نتعامل معه؟ هذا ما سيكون موضوعنا في الأسبوع المقبل.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

واشنطن تؤكد عقد محادثات جديدة بين لبنان وإسرائيل في روما

عراقجي يبحث أمن مضيق هرمز مع نظيريه السعودي والعماني

الجيش يسقط طائرة مسيّرة في الصحراء الشرقية بعد اختراقها الأجواء الأردنية

الذهب يتراجع تحت ضغط الدولار والأنظار تتجه لاجتماع الاحتياطي الاتحادي

النفط يواصل انخفاضه مع توقف الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران

‏نجوم الأغنية الأردنية يحيون أمسية غنائية ضمن فعاليات مهرجان جرش

نتنياهو في واشنطن للقاء ترامب لأول مرة منذ بدء الحرب مع إيران

مجلس النواب يناقش اليوم معدّل قانون الملكية العقارية

الولايات المتحدة تبدأ مراجعة وجودها العسكري في أوروبا

طقس صيفي حتى الخميس وحار الجمعة

تصعيد متواصل في الضفة .. اقتحامات إسرائيلية وهجمات للمستوطنين

وزيرة الخارجية اليمنية: مستعدون لأي تصعيد مع الحوثيين

غوتيريش يدعو إلى دعم دولي "هائل" لسوريا ويطالب إسرائيل بوقف انتهاكاتها

حميدتي يوجه بتغيير خطة "الدعم السريع" بعد تقدم الجيش شمال كردفان

بنك الإسكان يحقق أرباحاً صافية بمبلغ 82.2 مليون دينار في النصف الأول من عام 2026

الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة

منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن

هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك

‏وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي

إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

فضل شاكر وجورج وسوف بمجلس النواب الأردني .. ما القصة

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم

مهرجان أبوظبي 2026 يواصل فعالياته أكتوبر القادم

الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله

إيقاف القسائم البلاستيكية .. مهم بشأن رخص القيادة والمركبات

تدهورت صحته وضعف بصره .. فنان مصري يعتزل التمثيل

اتحاد منتجي الدواجن: نظام "الطيبات" يفاقم خسائر القطاع في مصر

قفزة كبيرة بأسعار الذهب محلياً اليوم