شيء من التاريخ‎

شيء من التاريخ‎

12-10-2015 09:57 AM

 كان الشعر وسيبقى «ديوان العرب» لانه الاقرب الى الروح، وتغلغلاً في القلب والوجدان، والأكثر تأثيراً على النفس، وخاصة الشعر الوجداني الوطني والطبقي الملتزم بالهم والوجع والعذاب الانساني، وقضايا الانسان المقهور المضطهد المغلوب على امره.

 
ولذلك ليس غريباً ان يكون الشعر هو اللون الادبي السباق، الذي نما وساد وانتشر لدى جماهير شعبنا الفلسطيني في الداخل بعد الجرح ونكبة العام 1948. ووجد الشعراء وسيلة للاتصال والالتقاء والتفاعل مع الجماهير عن طريق الاجتماعات الشعبية واحتفالات اول ايار عيد العمال، التي كان يقيمها في تلك الحقبة التاريخية الحزب الشيوعي في مختلف القرى والبلدات العربية. وراجت ظاهرة المهرجانات الشعرية بمبادرة واشراف الشيوعيين والوطنيين، وازدهر سوق القصيدة المهرجانية المنبرية والخطابية الحماسية، وراح شعراء الكفاح والمقاومة يطوفون في القرى والبلدات والمدن الفلسطينية في الجليل والمثلث،ويلقون قصائدهم الوطنية اللاهبة والمقاومة على مسامع الجماهير، وحثها على الصمود والبقاء والانزراع في تراب الوطن، والذود عن حقوقها المطلبية وعن مستقبلها، وحضها على المشاركة في المعارك النضالية والكفاحية ضد السياسة الاقتلاعية العنصرية القهرية الاضطهادية السلطوية.
 
وكان مجرد حضور اجتماع شعبي احتجاجيي او مشاركة في مظاهرة او مهرجان شعري مغامرة شجاعة وكبيرة، وذلك نتيجة قيود الحكم العسكري البغيض، الذي فرضته السلطات على جماهيرنا العربية الفلسطينية،التي بقيت في ارضها ووطنها الغالي، وبسبب هذه القيود والممارسة السلطوية التنكيلية سدت ابواب الرزق في وجوه الكثيرين من ابناء شعبنا، وجرى فصل الكثير من الشعراء والمعلمين الشرفاء كالرفيق المعلم نمر مرقص مثلاً، وتم اعتقال المثقفين والشعراء الملتزمين الملتحمين بقضايا الوطن والشعب وملاحقتهم والتحقيق معهم بتهمة "التحريض".
 
ومن ابرز واشهر المهرجانات الشعرية التي اقيمت في خمسينيات القرن العشرين الماضي، مهرجان كفر ياسيف، تلك البلدة الشامخة التي تعتبر نوارة الثقافة والوعي ومنارة الفكر والادب، بفضل مدرستها العريقة، مدرسة يني يني الثانوية، ومثقفيها وادبائها واكاديمييها في جميع المجالات العلمية والثقافية والنضالية، الذين كان لهم اسهام ودور نهضوي وتنويري وتعبوي كبير في نشر وتعميق الوعي الثقافي والسياسي في قرى وبلدات الجليل، ولن ننسى مقولة الاديب الفلسطيني الراحل اميل حبيبي "تكفرسوا يا عرب".
 
وكان الشاعر الوطني الراحل راشد حسين قد جاء من قريته "مصمص" الى هذه البلدة العامرة باهلها والقى قصيدته الشهيرة:
 
اليوم جئت وكلنا سجناء
فمتى اجيء وكلنا طلقاء
يا كفر ياسيف اردت لقاءنا
فتوافدت للقائك الشعرء
اسرى بهم كرم الجليل فأقبلوا
فكأن ليلتهم هي الأسراء
وأنا أتيت من المثلث حاملاً
هماً له في خاطري ضوضاء
وتحية عربية من قريتي
شرقية الفاظها سمراء
يا اخوتي بكت الجراح ولم تزل
تبكي فدمع عيونها دماء
عمن احدثكم وكل حياتنا
هم ووشك منية وشقاء
اليوم جئت وفي فؤادي لوعة فمتى اجيء وكلنا سعداء 
 
وايضاً مهرجان الشعر في عكا، بلد الجزار، والشهداء الثلاثة، الذي اقيم يوم 11/7/ 1958في سينما "البرج " الصيفية، تحت رعاية النادي الثقافي العكي، وترأس المهرجان في حينه الصحفي محمود ابو شنب، وكان محمود درويش في تلك الفترة لا يزال فتى صغيراً، وطلب من العريف المشاركة بقصيدة فكان له ما اراد. وقام رجال السلطة يومئذ بقطع التيار الكهربائي عن المهرجان بهدف افشاله وتخريبه، ولكن ما هي الا دقائق معدودات واذا بلوكسات الصيادين العكيين تضيء المكان من جديد، وتليت قصيدة الشاعر توفيق زياد عن "بور سعيد" الذي كان معتقلاً في سجن طبريا على اثر مظاهرة اول ايار الشهيرة عام 1958.
 
وتوالى انعقاد المهرجانات الشعرية، التي كان يلتقي فيها الشعراء بالجمهور العريض في اجواء من الشعر الكفاحي الحماسي الناري المقاوم، وفي كل اجتماع شعبي كان دائماً للشعر نصيب. وكان يشترك في هذه المهرجانات والاجتماعات عدد من شعرائنا،الذين لفتوا انظار وانتباه النقاد والمثقفين والقراء في العالم العربي، ولا نزال نتذكر صرخة شاعرنا الراحل محمود درويش "ارحمونا من هذا الحب القاسي".
 
ومن هؤلا الشعراء توفيق زياد وحنا ابو حنا وراشد حسين وشكيب جهشان وسالم جبران ومحمود درويش وسميح القاسم وحنا ابراهيم ومحمود الدسوقي وسواهم.
 
ولا شك ان هذه المهرجانات ادت دوراً ثقافياً كبيراً في تنمية الوعي الثقافي والسياسي لاهمية الكلمة والادب والثقافة والشعر في المعركة الحضارية لاجل التغيير وفي سبيل التقدم والتحرر الاجتماعي والمساواة والسلام، وساهمت في صقل الهوية الكفاحية لشبابنا وجماهيرنا،وفي انتشار رقعة ومساحة الشعر الكفاحي الاحتجاجي والخطابي المقاوم، وتمتين الصلة بين الشاعر والجمهور.
 
اخيراً، ما احوجنا الى نبش الماضي واعادة التورخة لثقافتنا العربية الفلسطينية، واطلاع الاجيال الفلسطينية الصاعدة والنشء الجديد على التراث الوطني الفلسطيني والتاريخ النضالي الناصع لجماهيرنا العربية الفلسطينية، الذي شيده اصحاب التيار التقدمي اليساري الوطني،بقيادة الشيوعيين والوطنيين الشرفاء.
 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن

هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك

‏وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي

إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

فضل شاكر وجورج وسوف بمجلس النواب الأردني .. ما القصة

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم

مهرجان أبوظبي 2026 يواصل فعالياته أكتوبر القادم

الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله

حريق مجمع سفريات عجلون .. تجار يروون للسوسنة كيف فقدوا مصدر رزقهم

إيقاف القسائم البلاستيكية .. مهم بشأن رخص القيادة والمركبات

تدهورت صحته وضعف بصره .. فنان مصري يعتزل التمثيل

إصابة 12 شخصاً بينهم طفل إثر عقر كلب ضال في إربد

اتحاد منتجي الدواجن: نظام "الطيبات" يفاقم خسائر القطاع في مصر