روسيا في سوريّة: هزيمة اللغة

روسيا في سوريّة: هزيمة اللغة

21-04-2018 02:16 PM

 منذ أواسط الخمسينات، بدأت اللغة السياسيّة العربيّة تستعين باللغة السياسيّة الروسيّة، أو بالأحرى السوفياتيّة. فخطاب «القوميّة العربيّة» بتنويعاته الكثيرة، البعثيّة والناصريّة، لم يكن كافياً لتبرير بعض أفعال أنظمة الاستبداد، كمدّ أذرع الدولة الأخطبوطيّة إلى سائر المجتمع، وتدمير التعليم، لا سيّما تعليم اللغات الأجنبيّة، وتأميم الصحافة والإعلام. كان لا بدّ من الاستعانة بالماركسيّة في صيغتها المُسَفْيَتَة للبرهنة على أنّ تلك الأفعال إنجازات، وأنّ البلوغ إلى المستقبل، تحت بيرقها، مضمون.

 
لقد تولّت اللغة السياسيّة السوفياتيّة تحديث الاستبداد المقيم في اللغة السياسيّة العربيّة منطوقةً باللسانين الناصريّ والبعثيّ. واليوم، تسدّد روسيا متأخّرةً هذا الدَين لعرب السلطة الأمنيّة. فأنظمة الطغيان العربيّة وقواه طوّرت على مدى عقود لغةً تقلب الهزائم انتصارات، وتتغلّب على المسافة الضخمة بين شعارات تقود إلى الحرب وبين إمكانات وقدرات معدومة. في هذا خرّجْنا، نحن العرب، أساتذةً عظاماً كيونس البحري وأحمد سعيد ومحمّد سعيد الصحّاف...
 
هؤلاء هم مَن استعار فلاديمير بوتين وديبلوماسيّوه وإعلاميّوه أرواحهم وحناجرهم فيما كانوا يعلّقون على الضربات الغربيّة الأخيرة قرب دمشق وحمص. ففضلاً عن إنكار الضربة الكيماويّة في دوما، ظهر الإس 300 الروسيّ على شكل خردة، ولم يُحسب أيّ حساب لطاقة الردع التي يُفترض أن يملكها الحضور العسكريّ الروسيّ (والإيرانيّ) في سوريّة. لقد جاء هذا مجتمعاً بمثابة فضيحة تفضح الفارق بين مزاعم موسكو المعبّرة عن طموحاتها الإمبراطوريّة وبين قدراتها الفعليّة. كان لا بدّ بالتالي من الاستعانة بتراكم هذه «المهارات» التي يملكها «الأصدقاء» العرب. راحت الأكاذيب تلد واحدتها الأخرى، وكلّ ابنة تفوق أمّها حجماً.
 
هذا لا يعني بحال أنّ الضربات الغربيّة الأخيرة معنيّة بقضيّة السوريّين وحرّيّاتهم. وقد نقول في غد الشيء نفسه عن اللغة السياسيّة الإيرانيّة، إذا صحّت التوقّعات الكثيرة حول مجابهة إسرائيليّة– إيرانيّة في سوريّة وربّما في لبنان.
 
مع ذلك، يبقى هذا التلاقح، أو التثاقُف، مثيراً للاهتمام والمتابعة. فهزيمة الكلام ليست عديمة الأثر على أوضاع المتكلّم. ذاك أنّ الكلام يصف، في ما يصف، سلاح صاحبه وهيبته. وأهمّ من ذلك أنّ الوصف الكثير غالباً ما يفيض عن الموصوف القليل الذي تعصف به الأزمات الاقتصاديّة والأخلاقيّة من كلّ نوع. وما دام أنّ بشّار الأسد يحلّق بجناحين روسيّ وإيرانيّ، فإنّ انكشاف الجناحين بوصفهما مَهيضين، بل وهميّين لا بدّ أن ينعكس على التحليق نفسه.
 
شيء قليل من الأمل؟ ربّما. لكنّ الأكلاف ستبقى بالتأكيد باهظة جدّاً.
 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء

حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن

البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي

بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية

الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن

تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء

السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل

بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني

بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة

وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق

إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ

إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان

القبض على مشتبه به بقتل فتاة أميركية في إيرلندا