خزنوا فرح الصيف لاكتئاب الشتاء!

خزنوا فرح الصيف لاكتئاب الشتاء!

04-09-2018 01:38 AM

 «لا تنسَ المظلة وانتبه من اكتئاب الشتاء»، كانت أولى وصايا أهل أوريغون - شمال غربي الولايات المتحدة الأميركية - حتى قبل وصولي إليها، لأطمر جهل لغتي!

كنت أضحك من كل قلبي وأقول: ألا يدري هؤلاء أننا نصلي لقدوم المطر، نرحب به، بل ونستعد لقدومه، باختيار اتجاهاتنا في الصحراء، نوقد النار ونضع القهوة على النار في انتظار ضيف قادم من بعيد.
وصلت إلى تلك المدينة - حيث تمطر نحو 11 شهراً ـ وكنت أظنني وجدت ضالتي، حتى مضت بضعة أشهر، فبدأت علاقتي مع الشتاء والمطر بالاضطراب!
المطر الذي كنا ننتظره في نجد أصبح حاضراً حضوراً طاغياً، ولا أقول عنه شيئاً كي لا يغضب أصدقائي الذين يتركون مكاتبهم ليسمعوا أنشودة المطر كلما طرق المطر نافذة البيت!
 
فجأة، اعتدت البلل، وليالي الشتاء الطويلة، كانت تجربة جديدة لرجل ارتبط الشتاء عنده بالخروج من المدينة والذهاب للبحث عن الصحراء التي لا يحتفل بالمطر مثلها في نجد!
فجأة، خلت شوارع أوريغون ليلاً من المارة، أضواء خافتة من شرفات البيوت، والباقون بعد السابعة مساء إما باحثون عن مشرب دافئ، أو متململون يبحثون عن أقصر طريق للبيت.
 
كانت تلك أول مصافحتي لاكتئاب الشتاء، حيث يدخل الناس في التخمة والكحول وساعات النوم الطويلة، مع غياب عن العمل أو سفر باتجاه الشمس، واليوم تزداد الدراسات التي تتحدث عن معدلات الانتحار التي تزيد في ليالي الشتاء، فواحدة من كل خمس سيدات تصاب باكتئاب الشتاء، ولست هنا لأخيف أحداً ولكنها وصايا الأطباء: لاحظوا أبناءكم، تحدثوا مع زوجاتكم أكثر بعد العاشرة مساء، فانعدام الشهية وزيادة الوزن مع القلق غير المبرر، كلها علامات أولية على قدوم اكتئاب الشتاء. أرجع العلماء سبب كراهية النساء - بالذات - لفصل الشتاء، وشعورهن بالاكتئاب لأسباب: «من أهمها قصر وقت النهار حيث إنهن لا يقدرن على القيام بواجباتهن اليومية، بالإضافة إلى أنهن يعانين من حالة الصمت التي تسيطر على الأسرة بعد العاشرة مساء».
 
وينصح الدكتور حسين زهدي الشافعي أستاذ الأمراض النفسية والعصبية، بأن الاكتئاب الشتوي يحتاج في بدايته إلى متابعة مباشرة مع الطبيب، خصوصاً أن مرضى الاكتئاب الدوري مهيأون للعلاج بمادة يتناولها المريض ليلاً، ويتم ضبط معدلها بالدم في أوقات متفرقة وتسمى «منظِمات المزاج».
 
ولئن كان لاكتئاب الشتاء حضور وصبوة، فإني زاعم أن اكتئاب ما بعد كأس العالم أصاب واحداً من كل ثلاثة رجال في هذا الكوكب، فكل اعتياد يصبح فقداً أليماً إذا زاد على أسبوعين. كان صيفاً عظيماً مع كأس العالم هذا العام، اعتدنا متابعة المباريات، أخبار اللاعبين، الاستمتاع بالأهداف، ومفاجأة ضعف الأقوياء، وفجأة - وكل المشاكل تبدأ بعد هذه الكلمة - انتهى كأس العالم، فغابت المتعة دون سابق إنذار، رغم أن الجميع يعرف وقت النهاية!
لا بد من دراسة تشرح لنا ما يحدث قبل وأثناء وبعد كأس العالم كل أربع سنوات، لا بد من طبيب نبيه يرصد أمزجة الناس، ويوصي بأن تقام كأس العالم في فصل الشتاء كي يقصر من ليله الطويل الحزين.
 
وعوداً على اكتئاب الشتاء، نقل إلينا السادة المترجمون بعض التعبيرات الغريبة على الذهن العربي من اللغة الإنجليزية مباشرة، فمترجمو شكسبير مرروا إلينا التحايا الدافئة، تعبيراً عن حرارة الاستقبال، وهو ما قد يقوله شكسبير، محال أن يقوله طرفة بن العبد. فالأول يعيش في بلاد باردة، فيصبح للدفء قيمة، والثاني يعيش في صحراء الجزيرة العربية فلا يرحب إلا بالنسمة أو المطر! لذلك فمن ميزات سكان الجزيرة العربية أنهم لا يصابون باكتئاب الشتاء، بل ترى البسمات علت الوجوه في الشتاء، وينتقل التسامح في القيادة، وترى أسنان السائقين، التي قد لا يراها إلا أطباء الأسنان!
 
رحم الله صالح العزاز، في كل الفصول، لا أذكره إلا وهو يبتسم ويقول: لا أعرف أرضاً تمتثل لقوله تعالى: «وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَة فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِ زَوْجٍ بَهِيج»، مثل نجد العذرية، بعد المطر الذي يحولها من صحراء قاحلة إلى بستان زهور!
 
وتلك روح صالح الإنسان، التي ترى الجمال في كل شيء، وعين المصور الفنان، فالماء أول كل شيء في نجد، فهو يسيل الوديان، ويلون الصحاري الصفراء إلى حمراء، ويكسوها بالأخضر المريح للعين، ويطلق الترحال في كل الاتجاهات، وينعكس أثر ذلك على النفوس فلا ترى إلا مبتهجاً جذلاً مسروراً ينتظر ضيفاً أو واقفاً على قارعة الطريق يدل رفاقه على أرض لم يطأها زائر من قبل للمتعة بها والأنس.
 
والماء نزيل الشتاء، وإن مر بنا في الصيف أيضاً احتفلنا به، فشح الشيء وقلته يعلمنا فضيلة الاشتياق إليه.
 
لم نفكر يوماً في الجزيرة العربية في اقتناء مظلة تقينا المطر، ولم نتلفت متململين في ليل الشتاء نتيجة لتوقف حديث ما بعد العاشرة، كان أجدادنا ينامون على أمل المطر، ولا يزال أحفادهم كذلك... بينما في أوريغون وباقي جهات الأرض طويلة الشتاء، يتحسس كلٌ مظلته حينما تتلبد السماء بالغيوم.
 
تفقدوا أحبابكم في كل الفصول، لكن في فصل الشتاء مرتين، حاولوا ألا يتوقف الحديث الدافئ على مائدة العشاء فجأة بعد العاشرة، خزنوا من فرح الصيف ما يقيكم شر اكتئاب الشتاء، واستبشروا بمطر يروي القلوب، قبل الأرض العطشى!


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

واشنطن تؤكد عقد محادثات جديدة بين لبنان وإسرائيل في روما

عراقجي يبحث أمن مضيق هرمز مع نظيريه السعودي والعماني

الجيش يسقط طائرة مسيّرة في الصحراء الشرقية بعد اختراقها الأجواء الأردنية

الذهب يتراجع تحت ضغط الدولار والأنظار تتجه لاجتماع الاحتياطي الاتحادي

النفط يواصل انخفاضه مع توقف الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران

‏نجوم الأغنية الأردنية يحيون أمسية غنائية ضمن فعاليات مهرجان جرش

نتنياهو في واشنطن للقاء ترامب لأول مرة منذ بدء الحرب مع إيران

مجلس النواب يناقش اليوم معدّل قانون الملكية العقارية

الولايات المتحدة تبدأ مراجعة وجودها العسكري في أوروبا

طقس صيفي حتى الخميس وحار الجمعة

تصعيد متواصل في الضفة .. اقتحامات إسرائيلية وهجمات للمستوطنين

وزيرة الخارجية اليمنية: مستعدون لأي تصعيد مع الحوثيين

غوتيريش يدعو إلى دعم دولي "هائل" لسوريا ويطالب إسرائيل بوقف انتهاكاتها

حميدتي يوجه بتغيير خطة "الدعم السريع" بعد تقدم الجيش شمال كردفان

بنك الإسكان يحقق أرباحاً صافية بمبلغ 82.2 مليون دينار في النصف الأول من عام 2026

الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة

منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن

هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك

‏وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي

إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

فضل شاكر وجورج وسوف بمجلس النواب الأردني .. ما القصة

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم

مهرجان أبوظبي 2026 يواصل فعالياته أكتوبر القادم

الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله

إيقاف القسائم البلاستيكية .. مهم بشأن رخص القيادة والمركبات

تدهورت صحته وضعف بصره .. فنان مصري يعتزل التمثيل

اتحاد منتجي الدواجن: نظام "الطيبات" يفاقم خسائر القطاع في مصر

قفزة كبيرة بأسعار الذهب محلياً اليوم