تنقيب إسرائيلي عن الغاز اللبناني ووساطة أمريكية منقوصة وتهديدات متبادلة

mainThumb

25-06-2022 07:30 PM

 كيف يُسْتَخْرَجُ الغازُ المسروق دون اتفاق مسبق بين دول المنطقة بما فيها لبنان في مربع متوسطي تشتد فيه النزاعات على مصادر الطاقة، وتتعثر في طياته مفاوضات ترسيم الحدود البحرية العقيمة، في إطار صراع وجوديِّ يتمثل ظاهرياً بين دول معترف بها وتتمتع بعضوية كاملة في الأمم المتحدة، بينما يكمن جوهرياً بين احتلال يستحوذ على كل ما يستطيع السيطرة عليه بغير وجه حق، وفق قانون الأقوى الذي يتحكم بشريعة الغاب، وبين الضحية التي تقاوم لأجل البقاء ونيل حقوقها، إنه الصراع في جانبه الاقتصادي بين "إسرائيل" من جهة، وبين دولة لبنان التي تضم حزب الله الذي يعد من أهم عناصر محور المقاومة المدعوم إيرانياً والمنسجم مع موقف الحكومة اللبنانية الذي يرفض عملية التنقيب الإسرائيلي عن الغاز اللبناني.

فما يسمى "إسرائيل" تحتل فلسطين التاريخية وتسطو على ثرواتها فيما تضع يدها بقوة على الغاز الفلسطيني في الحقل الواقع قبالة شواطئ غزة، والغاز اللبناني في حقل "كاريش" على بعد نحو 80 كيلومترا غربي مدينة حيفا المحتلة، حيث تم استئجار سفينة يونانية للتنقيب عن الغاز المتنازع عليه، في ظل تعليق المفاوضات غير المباشرة بين المتنازعين بسبب العداء المستحكم بين الطرفين، فيما دخلت أمريكا على خط الأزمة كوسيط يحمل مفاتيح الحل في محاولة لفض النزاع اللبناني الإسرائيلي والتوصل إلى اتفاق سريع يضمن لها استخراج غاز المتوسط بالسرعة الممكنة وبأعلى طاقة للتعويض نسبياً عن الغاز الروسي المتناقص من جراء الحرب الأوكرانية؛ ولكن دون جدوى في ظل ربط هذا الوسيط المجير للأجندة الإسرائيلية، اتفاقية ترسيم الحدود مع تل ابيب برضى "إسرائيل" رغم كونها احتلال توسعي. 

وكانت المفاوضات التي انطلقت بين الطرفين لترسيم الحدود البحرية عام 2020 بوساطة أميركية توقفت في مايو العام الماضي جراء خلافات حول مساحة المنطقة المتنازع عليها ولم تتمكن أمريكا من استئنافها.
 
وكان من المفترض أن تقتصر المحادثات لدى انطلاقها، على مساحة بحرية تقدر بنحو 860 كيلومترا مربعاً، بناء على خريطة أرسلها لبنان في 2011 إلى الأمم المتحدة. لكن لبنان رأى لاحقاً أن الخريطة استندت إلى تقديرات خاطئة، وطالب بالبحث في مساحة 1430 كيلومترا مربعاً إضافية تشمل أجزاء من حقل "كاريش".
 
وخاض لبنان و"إسرائيل" خمس جولات محادثات غير مباشرة، بخصوص المنطقة المتنازع عليها، منذ أكتوبر 2020، حتى مايو2021 برعاية الأمم المتحدة ووساطة أميركية، قبل أن تُعلَق المفاوضات نتيجة عدم إحراز أي تقدم فيها بسبب موقف الاحتلال الإسرائيلي المتعنت.
 
والغريب أن المبعوث الأميركي الخاص للطاقة الدولية، آموس هوكستين، جاء لتسويق الوهم أو ممارسة ضغط غير مباشر على لبنان للقبول بأي اتفاق يمكن انتزاعه من تل أبيب منوهاً في مقابلة خاصة على قناة "الحرة"، بأن زيارته إلى بيروت تأتي في سياق جولة جديدة يستمع فيها إلى الحكومة اللبنانية، وفي جعبته بعض الاقتراحات بشأن ما يفترض أن تكون عليه المفاوضات كما قدم هذه الاقتراحات إلى الجانب الإسرائيلي أيضًا.
 
وبشأن الردود والأفكار التي تلقاها من الجانب اللبناني، فضل هوكستين عدم الكشف عنها حالياً. سوى ما قاله بشأن الفكرة التي طرحها رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، لناحية فرض مبدأ "كاريش مقابل قانا"، حيث رد الوسيط الأمريكي بما يتوافق مع الموقف الإسرائيلي المتغطرس: "لا أعتقد أن الأمرَ حكرٌ على الشعارات، بل يقضي بالنظر إلى نوع التسوية التي يمكن التوصل إليها، ويوافق عليها الإسرائيليون!! من غير أن يشعروا أن في ذلك ما يتعارض مع مصالحهم، وذلك مع الحفاظ على أهم جزء من مصالح لبنان".
 
وهذا يثبت بأن التدخل الأمريكي ما هو إلا جزء من المناورة الإسرائيلية في هذا الملف الشائك المربوط أمريكياً بموقف الاحتلال الإسرائيلي.
 
وفي تسارع للمواقف المضادة بين طرفي النزاع، يبدو بأن الطرف الأمريكي استساغ أسلوب المناورة لصالح الأجندة الإسرائيلية من خلال تبادل الأدوار ما بين دبلوماسية الوسيط الناعمة وتهديد الطرف الأقوى عسكرياً للضغط على الحلقة الأضعف؛ من أجل قبولها بما يفيض عن مائدة اللئام، ليدخلَ النزاعُ مرحلة تبادل التهديدات الحادة بين "إسرائيل" والمقاومة اللبنانية التي اعتبرت عملية التنقيب عن الغاز في منطقة النزاع البحري دون ترسيم للحدود، احتلالاً للمنطقة البحرية اللبنانية، دون أن تتمكن واشنطن من بلورة خيارات لحل الأزمة المتصاعدة، وهذا يجعل الوسيط طرفاً في النزاع، ويعزى ذلك لعدة أسباب أهمها: 
 
أولاً:- تعليق المفاوضات حول ترسيم الحدود التي انطلقت عام 2020 بسبب البدء بالتنقيب عن الغاز مؤخراً من قبل الطرف الإسرائيلي دون رادع، وفق المصلحة الإسرائيلية وبإلحاح أمريكي في إطار الوساطة المنقوصة، حتى لو أدى ذلك إلى نشوب صراع عسكري.. وكأن ما يجري مجرد تداعيات تتراكم من وراء ظهر الوسيط الذي يبتغي حل المعضلة.. هكذا تقرأ المجريات.
ويمكن الاستدلال على ذلك بما تبدّى من خلال تصريحات الوسيط الأمريكي الأخير هوكستين في أن مفاتيح الأزمة تكمن في يد "إسرائيل".
 
ثانياً:- إدراج التحرك الأمريكي في إطار الحرب الاقتصادية التي يشنها الغرب على روسيا لإيجاد بديلٍ شرق اوسطي للغاز الروسي وإخراج أوروبا من أزمة الغاز التي أدت نتائجها إلى تضخم اقتصادي متفاوت بين دول الاتحاد الأوروبي مقابل انتعاش الاقتصاد الروسي بسبب تعافي الروبل المرتبط بغلاء أسعار الطاقة على صعيد عالمي.. والذي أصاب أمريكا نفسها من خلال ارتفاع أسعار مشتقات النفط وتفشي الغلاء.. أين أن الوسيط الأمريكي يتعامل مع غاز المتوسط كجزء من معركته الاقتصادية ضد روسيا أين أن المصلحة الأمريكية تقوم على التسريع في إبرام اتفاقية شراء الغاز الشرق اوسطي ولو بعقود آجلة لصالح دول الاتحاد الأوروبي، ولو تم ذلك على حساب مصلحة لبنان وأمنه.
 
وهذا يعني بأن الدعم الأمريكي ل"إسرائيل" يقابله دعماٌ روسيا إيرانياُ لحزب الله اللبناني الذي هدد أمينه العام حسن نصر الله يوم الخميس الماضي قائلاً بأن الحزب قادر على منع إسرائيل من استخراج النفط والغاز من منطقة بحرية متنازع عليها مع لبنان، داعيا إدارة "السفينة اليونانية" التي استأجرتها "إسرائيل" للتنقيب عن الغاز، إلى الانسحاب فوراً.
 
مؤكداً على أن قضية الثروة النفطية والغازية في المياه اللبنانية لا تقل أهمية عن تحرير الشريط الحدودي المحتل، مشدداً بأن "المقاومة" لن تقف مكتوفة الأيدي وأن كل الإجراءات الإسرائيلية لن تستطيع حماية المنصة العائمة لاستخراج النفط من حقل كاريش.
 
وهذا تهديد مباشر موجه ل "إسرائيل" التي لا تقيم وزناً للقانون الدولي كونها مشروع احتلال صهيوني مدعوم من الغرب ولا يقيم وزناً للحوار. وفي نظر محور المقاومة فقد اثبت التاريخ بأن "إسرائيل" اعتادت التجاوب مع لغة القوة الرادعة التي تطورت مقوماتها منذ حرب تموز عام 2006.
 
فيما قوبلت الخطوة الإسرائيلية برفض لبناني، حيث طلب رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من وزارة الخارجية إجراء الاتصالات اللازمة، مع الجهات الدولية المعنية لمنع "إسرائيل" من بدء استخراج الغاز.
 
ولم تعترض الحكومة اللبنانية على تهديدات نصر الله في توافق تكتيكي لافت.
 
حيث يمتلك "حزب الله" (المدعوم من إيران) ترسانة كبيرة من الأسلحة والصواريخ الدقيقة، وخبرة قتالية عالية ومخزون من الإرادة التي لا تلين. 
 
ورداً على ذلك وفي خطوة يبدو أنها جاءت لإرغام الحكومة اللبناني على التجاوب مع الوسيط الأمريكي آموس هولشتاين عشية وصوله إلى بيروت؛ رفع رئيس الأركان الإسرائيلي أفيف كوخافي لهجة التهديدات باتجاه لبنان، قائلاً «سنقوم بتوجيه ضربات كبيرة جداً في الحرب، ولكننا سنقوم بإنذار السكان وسنسمح لهم بمغادرة تلك المناطق (...) لأن قوة الهجوم ستكون بشكل لم تشهده من قبل»..
 
وقد يدرج هذا التهديد في سياق الحرب النفسية للضغط على المفاوض اللبناني وفرض الأجندة الإسرائيلية عليه من باب الابتزاز، أو المواجهات المحتملة التي لا يجب الاستهانة بها وفق تقديرات حزب الله المهيأ لمواجهتها.
 
ولكن الباعث على خوف الإسرائيليين هي زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة حماس، إسماعيل هنية، إلى لبنان، الخميس الماضي، والتقائه بالقيادات اللبنانية، وعلى رأسهم السيد حسن نصر الله، ورشوح اخبار عن تشكيل غرفة عمليات مشتركة تضم المقاومة الفلسطينية في غزة وحزب الله والحرس الثوري الإيراني؛ لمواجهة "العدو الإسرائيلي المشترك" المهزوز معنوياُ والذي يتخبط من هول ما يتعرض له من مفاجآت يحاول تغطيتها بتصريحات رنانة منزوعة الدسم.
 
وتم في اللقاء استعراض مختلف التطورات السياسية والميدانية في فلسطين ‏ولبنان والمنطقة ولا شك أن التهديدات الإسرائيلية الأخيرة كانت في مقدمتها.
 
ورغم أن الاحتلال الإسرائيلي الذي يسطو على الغاز الفلسطيني واللبناني يهدد بغزو لبنان وصولاً إلى بيروت؛ إلا أنه يدرك بأن ظروف حرب تموز عام 2006 قد تغيرت وباتت استراتيجية المقاومة فاعلة على مستوى إقليمي.
 
فحينما يلوّح هذا الكيان الإسرائيلي المتغطرس بالهجوم على لبنان؛ فهو يدرك أيضاً بأن محور المقاومة أكثر جدية، وهو من يهدد فعلياً الكيان الإسرائيلي في العمق، ويمتلك قواعد الاشتباك في أي مواجهات مقبلة.
 
إن منطق الأشياء يقول بأن العلاقة بين الاحتلال والضحية هي الحرب الضروس التي ينتصر فيها صاحب الإرادة الأقوى.. جيش الاحتلال ما لبث يقف عاجز اً عن اقتحام غزة ويعاني من ضرباتها المؤثرة؛ فما بالكم وهو مُهَدَّدٌ بزخات من صواريخ المقاومة الدقيقة التي ستباغته من كل الجهات وبمئات الآلاف!.. فيما ستخسر "إسرائيل" عنصر الأمان المطلوب لاستثمار الغاز الفلسطيني اللبناني المسروق شرقي المتوسط.. وقد يتحقق هذا الأمن في ظروف مواتية؛ ولكن إلى حين!
 
الاحتلال الإسرائيلي كيان زائل وضعيف ونهايته وشيكة وفق ما يتردد في صفحات سياسيين مرموقين ومثقفين إسرائيليين كبار، عبر الفضاء الرقمي.. حتى لو ابدى هذا الكيان المتغطرس، "إسرائيل" من القوة المتعاظمة التي لا تخيف إلا قطعان التطبيع، المبرمجين على الطاعة العمياء.