الانتشار في الانترنت .. ما له وما عليه

mainThumb

27-07-2022 12:24 PM

في أزمنة غابرة كان لا ينتشر إلا الذي يحوز قيماً عالية واتقاناً مرتفعاً ويحقق رضا المجتمع بكل أطيافه، وبخاصة أصحاب الرأي والاختصاص.
لكن في عصر السرعة وانتشار المعلومات وكثرتها، يظل أكثر الناس على شاطئ المعرفة، لا يتعمقون في بحارها، فلا يرون إلا الصغار الذين يعبثون على الشاطئ، أما الدرر فلا يستطيعون رؤيتها لأنها تحتاج الى الغوص في الأعماق..!!
  ومع اعتماد الكثير على مواقع التواصل لتلقي المعلومة أو السلوك انقلبت الموازين وصار الكل أمامها متساوياً في التلقي والتفاعل حتى أن متابعة الباحثين عن الهزل والعبث أكثر من الباحثين عن الأمور الجادة، ما جعل الجو العام على مواقع التواصل تصنعه فئة الهازلين، ولأن الرقابة على الأمور الجادة أكبر من الهازلة، صار انتشار العبث سمة طاغية على مواقع التواصل الاجتماعي..
وأمام هذا التشابك في ما ينشر وما ينتشر على الشبكة العنكبوتية، نحتاج الى حكمة بالغة لكي نستخرج من بين تشابك أشواكها، الثمرة الطيبة التي تفيد الفرد والمجتمع،  وخاصة الأطفال والشباب.. في وقت أصبح الأطفال والشباب هم من يقرر انتشار "فيديو" أو خبر على مواقع التواصل.. وهم من يقرر أن المحتوى المُقَدم مهم أو غير مهم بقدر تتبعهم له..
هذا الانتشار غير المنطقي - كما يراه الكثير- أصبح يؤثر على المجتمع من حيث تعلق فئة الأطفال والشباب بالمشهورين على مواقع مقاطع الفيديو، وتقليدهم، ومحاولة الضغط على أسرهم ليوفروا لهم حياة تشابه ما يرونه من هذه الفئة، فالأطفال خاصة، صاروا يشعرون أن ما يرونه من فئة المنتشرين، هو بيئتهم الحقيقية، وعلى الأهل توفير هذه البيئة لأطفالهم..!!
من مساوئ هذه المواقع هو عدم وجود ثوابت، فالذي ينتشر فيها، يسود أيام أو أسابيع ويردده المتابعون ويجعلونه محط اهتمام الاعلام والفضائيات ثم ينطفئ سريعاً، والأبعد من ذلك هو خروج المنسيين والمغمورين للناس، على رخص بضاعتهم وفراغهم من محتوى مهم، من خلال المواقع  بعد أن كانوا محصورين في دوائرهم الضيقة.. والعجيب أن الناس تتبعهم وتهتم بهم كونهم مؤثرين، كما تصفهم المواقع ووسائل الاعلام!!. فالتي تعرض جسدها مؤثرة، والذي يعرض هبله مؤثر أيضاً، وهناك من تشهره كلمة لا معنى لها، ومن يشهره كرشه، الى الذي يعرض يوميات عائلته على الناس.. !! بالمحصلة الناس تتابع أي شيء وكل شيء، يبقى الى أي مدى تكون جرأة الشخص الناشر على نشر خصوصياته واهتماماته الشخصية التي لا تهم غيره، لكن الأطفال يتابعونه..!!
في مواقع التواصل يختلط الحابل بالنابل، والهازل بالجاد، والشريف بالوضيع، وكلٌ حرٌ في اختيار  ما يهمه دون توجيه، فهي لا تقدم المثال أو الانموذج، بل تترك لكل متلقٍ اختيار ما يرغب، وهذا المتلقي غالباً لا يملك أدوات الاختيار الصحيح المنسجم مع قِيَمه وثقافة مجتمعه، لصغر سنه أو لصغر عقله، أو لسيطرة غرائزه على سلوكه، فالعقل يُتعِب صاحبه ويُغضِب السلطة، أما الغرائز فهي فردية ولا تغضب السلطة..