قراءة في رسائل مجلس الأمة الكويتي

mainThumb

03-10-2022 04:09 PM

شهدت العلاقات بين السلطتين التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (مجلس الأمة) في الكويت شداً وجذباً ومداً وجزراً منذ انطلاق المشاركة السياسية في دولة الكويت مطلع الستينيات بعد استعادة الكويت سيادتها الكاملة واستقلالها، وانتهاجها المشاركة السياسية في أول دستور مكتوب في منطقة الخليج العربي وانتخاب أول مجلس تأسيسي عام 1962 لصياغة واعتماد أول دستور مكتوب في منطقة الخليج العربي، وانتخاب أول مجلس أمة منتخب في المنطقة بالانتخاب الحر المباشر لخمسين عضواً.
خلال العقود الستة الماضية بقيت التجربة البرلمانية الكويتية برغم وجاهتها وتميزها وحيدة تواجه التحديات والصعاب ـ بل تم الطعن بها وتصغير والاستخفاف بإنجازاتها. ونظر البعض في الداخل الكويتي وفي الخارج لتجربتنا الرائدة في العمل والمشاركة السياسية بأنها ترف تسببت بتعطيل التنمية والتقدم وكرست الفرقة والمواجهات السياسية. خاصة مع الاستقالات المتكررة للحكومات بسبب التصعيد والاستجوابات لافتقاد مجلس الأمة للانضباط الحزبي. ما تسبب بحل وإبطال عشرة مجالس أمة منتخبة لأسباب ومبررات مختلفة. هذا عرّض التجربة البرلمانية الكويتية للانتقادات ـ انحدرت لطعن وتنفير مثقفين خليجيين وغيرهم من نموذج الديمقراطية الكويتية، (وهو ما يفتقدون ممارسته) مدعين تعطيلها التنمية والاستقرار السياسي وتسببها بانقسامات مجتمعية!
ناقش المفكر الأمريكي الراحل صموئيل هنتنغتون كتابه «الاستقرار السياسي في مجتمعات متغيرة» أنه لا يمكن للمجتمعات والدول أن تكون مستقرة ما لم يترافق بشكل متوازٍ التطور والتمدن والتثقيف والتعليم للمجتمعات والشعوب في الدول النامية مع التطور السياسي والمشاركة السياسية والمساءلة والمحاسبة وذلك لتحقيق الاستقرار. وإلا ستواجه تلك الأنظمة والشعوب «الاهتراء السياسي».
لذلك الحل الأمثل، المزاوجة بين الحقوق والمشاركة السياسة بدستور، هو العقد الاجتماعي يلزم النظام الحاكم والشعوب بحقوق ومسؤوليات من جهة، يصاحبه التطور والتمدن العمراني والخدماتي وغيره من الظواهر المهمة والمطلوبة في مجتمعات ثرية وريعية كمجتمعاتنا الخليجية. وهو ما أدركته الكويت قبل ستة عقود، برغم كلفته وادعاء البعض بشكل مبالغ فيه، أن النموذج الكويتي طارد لعرقلته التنمية، والصراع الدائم داخل النظام السياسي، فاتهم أن هذا حال جميع المجتمعات التي شهدت شدا وجذبا بين السلطتين.
برغم تعطيل أعمال 10 مجالس أمة من 16 مجلس أمة منتخب، سواء بالحل أو الإبطال دون إكمال المدد الدستورية للمجالس المنتخبة، لتجاوزات قانونية أو مواجهات سياسية وتشكيل 40 حكومة خلال ستين عاماً، إلا أن ذلك أسس وكرس ثقافة مجتمعية لشرائح المجتمع الكويتي وخاصة للجيل الشاب بحق المشاركة والمصارحة والرقابة والانتقاد وهذا مهم لمجتمع ريعي يعمل أكثر من 90٪ من مواطنيه في القطاع الحكومي كباقي المجتمعات الخليجية التي تعيش في مجتمعات ريعية.
شهدنا استعادة زخم وتميز وتفرد جذوة الديمقراطية والمشاركة السياسية الكويتية في محيطها العربي بمشاركة كبيرة في انتخابات مجلس الأمة السابعة عشرة التي جرت يوم الخميس 29/9/2022. وذلك بطغيان أجواء التفاؤل والثقة، مع مشاركة القوى والشخصيات السياسية التي قاطعت لانتخابات منذ عام 2013 ـ بعد وعود قدمتها القيادة الكويتية بالبقاء على الحياد ـ والتشدد في منع الانتخابات الفرعية المجرمة قانونا والضرب بقوة لمنع المال السياسي في بعض الدوائرـ ما شجع على مشاركة واسعة ترشيحاً ومشاركة. مخرجات العملية السياسية وانتخابات مجلس الأمة كانت مبهرة ـ بعودة القوى والشخصيات السياسة البارزة المحسوبة على المعارضة بقيادة المخضرم أحمد السعدون رئيس مجلس الأمة الأسبق ـ وشخصيات بوزن ثقيل ـ وتراجع حضور الشخصيات التقليدية ـ وزيادة عدد النواب المعارضين على أغلبية المقاعد 30 من 50 مقعداً ـ وعادت المرأة بالفوز بمقعدين. وخسر ثلاثة من أربعة نواب ـ وزراء عينوا في الحكومة السابقة، مقاعدهم البرلمانية في الانتخابات. في تأكيد لمقولة تتردد في السياسة الكويتية ـ الوزارة هي مقبرة للنواب الوزراء. كما تراجع عدد نواب القبائل إلى أقل من نصف النواب المنتخبين بسب محاربة انتخابات التصفية داخل القبيلة ونقل أصوات الناخبين.
ومن الظواهر الملفتة والمهمة التي يجب التوقف عندها في قراءة نتائج الانتخابات، الحماس وأجواء التفاؤل وارتفاع نسبة الاقتراع، وفوز التيار الإسلامي بأعداد أكبر من المجلس السابق الذي لم يكمل مدته الدستورية.
في الوقت الذي يواجه الإسلام السياسي تحديات وتضييق على أنشطة والمشاركات السياسية لمرشحيهم ووصم تنظيماتهم بالإرهابية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، خالفت الكويت هذا التوجه بكونها الاستثناء. ضاعف الإسلاميون من غلة مقاعدهم في مجلس الأمة الجديد عن أعدادهم في المجلس السابق-بزيادة عدد النواب من الحركة الدستورية الإسلامية (الإخوان) والتجمع الإسلامي السلفي، والإسلاميون المستقلون المقربين من كلا التجمعين.
ما يعني أن مسارعة البعض من علمانيين وليبراليين وأنظمة تسعى لتكريس سردية أن الإسلاميين فقدوا بريقهم وقوتهم الجاذبة، وقوة وقدرة النموذج في الإقناع وباتوا من الماضي وفي تراجع غير صحيح بالمطلق. ذهب أحد الكتاب في إحدى الصحف الرئيسية العربية للادعاء بعد وفاة الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله، إلى الادعاء في مقالة بعنوان: «هل هي نهاية الإخوان؟»! وللمفارقة حقق الإسلاميون من مختلف الكتل والتيارات السياسية في انتخابات مجلس الأمة الكويتي في اليوم نفسه، أكبر انتصار لهم في الانتخابات منذ أكثر من عقد! ليشكوا مع القوى الوطنية الأخرى الأغلبية في البرلمان الجديد.
لا شك أن تجربة المشاركة السياسية والبرلمانية الكويتية الرائدة والعريقة ثرية ومتفردة في محيطها، وتستحق أن تُدرّس. وكتبت كتب وأطروحات ماجستير ودكتوراه في جامعة الكويت وجامعات عربية وأمريكية وغربية خلال النصف قرن الماضي، أشرفت وناقشت بعضها.
لكن تحتاج التجربة البرلمانية الكويتية لإصلاحات وتطوير ومأسسة الانتقال من العمل الفردي الضيق إلى العمل الجماعي الحزبي الواسع- بسن قوانين الانتخاب بالقوائم النسبية، مقدمة لتشريع الأحزاب السياسية، ومفوضية عليا مستقلة للانتخابات تشرف على عملية الاقتراع. وتقديم الحكومات الجديدة برنامج عملها وتحصل على ثقة البرلمان لتنفيذه. وقوانين تنمية وتنويع مصادر الدخل ومحاربة الفساد، لتبقى التجربة الكويتية رائدة وملهمة!