المغفل

mainThumb

30-10-2022 11:32 PM

السوسنةـ في صباح أربعاء من حزيران عام 1950قصد الحاج أبو صالح مركز اللواء الذي يقطن فيه راكبا حماره في منحدر على سفح جبل ينتهي الى واد عميق ، كانت حرارة الشمس دافئة لكن هبت نسمات لطيفة على سفح الجبل بين الحين والآخر . داعبت النسمات وجه ابي صالح فأخذ يغني:
شمس العصيري غابت يا مسافر ع الصعيد
شمس العصيري غابتيا للي بلادك بعيد
هبت مزيد من النسمات فحث أبو صالح حماره بمهماز
وازداد طربه عندما غذ الحمار الخطى فظن الحمار سيارة فأخذ يشدو:
يا تكسي الغرام يا مسافر ع الصعيد
تسابق الحمام وتقرب البعيد.
لكن لم يرق ذاك الغناء لعش دبابير على جنبة في جانب الطريق ، فانطلق عدد منها يطارده فاخذ يهمز حماره بمهماز يحثه على الجري لكن دبورا اصفر اللون مخططا بخطوط سوداء عاجل حماره بلسعة في مؤخرته فجن جنون الحمار واخذ يركل كلتي رجليه الخلفيتين في الهواء فطاح أبو صالح ارضا على كومة تراب جيرية فغمرته سحابة من غبار. نهض أبو صالح يرتجف غضبا ، انهال على الحمار ضربا بعصىً لكن الحمار هرب بعيدا . فأضطر أبو صالح ان يواصل رحلته على اقدامه. سار على طريق ترابي بين الاشواك لقد أصيب بالذعر عندما كان عليه السير في جزء من الطريق فيه جحور الأفاعي فقد شاهدها تطل برؤوسها عبر فويهات الثقوب, كانت احداهن مخرجة راسها وعيونا صافية تلمع لكنه سار بهدوء دون ان يزعج أيا منها .
وبعد مسافة سير طويلة بدأت علامات الاجهاد تظهر عليه ، فقدد تصبب عرقا وشعر بحكة في عينيه كأن فيهما رمل نتيجة الغبار الذي تكحلت به عيناه عندما طاح أرضا. لمح من على السفح مسيل ماء يلمع في قاع الوادي البعيد فقرر النزول اليه كي يغسل وجهه وعينيه!
لقد مضى عليه وقت طويل سائرا في الشمس ، لكن عندما اقترب من المسيل الذي كان خرير ماءه اجمل موسيقى يسمعها في حياته ومما ازدهى نفسه وزادها ارتياحها هو مشهد الحصى تحت الماء الصافي فأكب على الماء يغبه غبا ، فقد كان عطشانا فاخذ يشرب الماء يغبه غبا حتى ارتوى ! جلس على صخرة في ظل شجرة رمان واستراح ثم غلبه النعاس فتمدد وراح في سبات عميق!
وفي النوم رأى مناما مخيفا : رأى افعى تمر على جبهته فأفاق مذعورا وإذا بحية صغيرة الحجم قد مرت فعلا فوق حاجبيه ، فذعر ذعرا شديدا فنهض وترك المكان مسرعا . واصل طريقه حتى انتهى الى طريق رئيس للسيارات. وجاءت حافلة أقلته الى مركز اللواء.
وعند الوصول اتجه الى السوق الرئيس، ودخل محل البسة مستعملة فرأى جاكيتا فاخذ يقلبه ويتأمله فشاهد في الجيب الداخلي للجاكيت رمزة من النقود فسأل صاحب المحل عن ثمنه فقال صاحب المحل : خمسة عشر دينارا ، كان ذاك مبلغا كبيرا في تلك الأيام. وبعد مفاصلة لم تدم طويلا , دفع الثمن وانطلق مسرعا وعندما كان على مسافة بعيدة من المحل تفقد الجاكيت واخرج رزمة النقود ويده ترتجف : كانت الرزمة سميكة ظنها مبلغا كبيرا فوجد ان صاحب المحل قد خدعه بوضع صورة دينارين غطى بهما رزمة ورق ممزق على وجهي الرزمة فظن المغفل ان الرزمة دنانير حقيقية !
وبعد أسبوع قرر ان يجلب خمسين خروفا الى سوق الحلال
وفي يوم خميس احضر شاحنة كبيرة حمل فيها الخراف وقصد سوق الحلال. وهناك باع الخراف وضع ثمنها في جيب قمبازه الداخلي عند الصدر وغادر سوق الحلال الى السوق الرئيس
وفي الطريق شاهد شابين في زقاق يتضاربان وقد اشتبكا بالأيدي فاسرع للفصل بينهما فهرب احدهما خلفه محتميا به وقد طوقه بيديه قائلا : دخيلك يا عم احمني منه وهجم الاخر محاولا الوصول الى الشاب الثاني، واشتبك الاثنان وأبو صالح في بنهما وقد ناله بعض اللكمات. وكاد الشابن ان يمزقا ثيابه عليه ففي كل حركة كان احدهما يطوقه بيديه ويشد ملابسه!
وبعد لأي تمكن الحاج أبو صالح من الفصل بينهما.
شعر الحاج أبو صالح براحة الضمير إذ انه قد تمكن من الفصل بين الشابين. وشعر انه بحاجة الى الطعام فدخل مطعما . تناول الطعام وهم بالخروج .
وعند دفع الحساب للمطعم أراد ان يخرج محفظة نقوده التي وضعها في جيب قمبازه فلم يجدها، ادرك الحاج أبو صالح انه كان مغفلا وان الشابين قد افتعلا الشجار بينهما حتى يتكمنا من نشل نقوده!








تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد