جمهورية الدوالي

جمهورية الدوالي

09-06-2026 05:14 PM

مع بداية كل صيف، لا يترقب الناس نتائج الامتحانات ولا نشرات الطقس بقدر ما يترقبون الحدث السنوي الأهم: موسم الدوالي. فهناك مواسم للزراعة، ومواسم للسياحة، ومواسم للتخفيضات، لكن أخطرها اجتماعيًا بلا منازع هو هذا الموسم الذي تُقاس فيه درجات الصبر، وتُختبر العلاقات الأسرية، ويكتشف كثير من الرجال فجأة أن لديهم أعمالًا مؤجلة لا تحتمل التأخير.

ويقول الخبراء إن الأزمات تكشف المعادن، ويقول موسم الدوالي الشيء نفسه؛ فما إن تُقطف الأوراق وتُفرش على الطاولات حتى تنقسم العائلة إلى فريق يعمل بصمت، وفريق يشرف من بعيد ويحتفظ بدوره التاريخي في تقديم الملاحظات الفنية عند موعد الأكل فقط.

ظاهرة اجتماعية عجيبة تتكرر في الموعد نفسه كل عام، ولا تحتاج إلى تقارير دولية ولا لجان تحقيق برلمانية؛ إذ يختفي الرجال فجأة من ساحات العمل المنزلي مع أول إعلان رسمي عن "موسم تلقيط ورق الدوالي". فتراهم يتحولون إلى خبراء في الأعمال الخارجية، ويستذكرون فجأة أهمية تبديل زيت السيارة أو زيارة صديق قديم، بينما تُترك معارك الفرز والتصفيف والتفريز للنساء، وكأن لفّ ورق الدوالي مؤامرة كونية تستهدف هيبة الرجل العربي!

والحق يُقال، إن الرجل في هذه المناسبة يمارس نوعًا فريدًا من الفروسية الحديثة؛ فهو يشارك في التذوق فقط، أما تفاصيل السلق والتصفيف والحشو واللفّ فهي ـ بحسب "الدستور العائلي غير المكتوب" ـ من اختصاص النساء. ومع ذلك، لا يتردد بعد ساعات قليلة في الجلوس قرب الطنجرة متقمصًا دور الناقد الفني، فيسأل بجدية: "الحموضة معتدلة؟"، أو يعلن بثقة: "كان لازم ينحط مشمش أخضر أكثر!"

ولأن ورق الدوالي ليس مجرد أكلة، بل مشروع وطني متكامل، فإن له مراحل إعداد تُشبه إعداد الموازنات العامة؛ تبدأ بتجهيز الحشوة والتتبيلة: رز، ولحمة خروف خشنة، وملح، وفلفل، وحواجة منسف، وسمن أو زيت، ومكعب ماجي، ومعلقتا دبس بندورة. أما عملية نقر الكوسا، فهي وحدها تحتاج إلى خبير دولي بالحفر! ثم يُسلق الورق بعناية، وتُضاف بضع حبات من المشمش الأخضر لمنح تلك الحموضة التي تجعل اللسان يصفق إعجابًا قبل المعدة.

بعدها تأتي المرحلة الأخطر: مرحلة اللفّ، حيث تتحول الطاولة إلى خلية نحل، وتصبح كل امرأة أسرع من آلة طباعة أوراق رسمية.

أما السر الحقيقي الذي يجعل هذه الطبخة سيدة السفرة، فهو ما يُخفى في قاع الطاسة؛ هناك حيث ترقد ريش اللحم أو اللسانات في تضحية نبيلة تمنح ورق الدوالي نكهته الأسطورية. وإذا أضيفت الكوسا، دخلت النكهة مرحلة يعجز عن وصفها كبار الشعراء وخبراء التغذية معًا.

والأجمل في هذه الأكلة أنها ديمقراطية بطبعها؛ تُؤكل ساخنة فتأسر القلوب، وتُؤكل باردة في اليوم التالي فتخطف العقول. بل إن بعض الناس يعتقدون سرًا أن "البياتة" ألذ من الطبخة نفسها، لكنهم لا يجرؤون على إعلان ذلك خوفًا من العواقب الزوجية.

ويبقى الانتصار الأكبر حين يكون ربّ البيت "زلمة قد حاله"، ويتخذ القرار التاريخي بطبخ الورق والكوسا مع الكرش والرؤوس والمقادم. هنا تتحول الوجبة إلى حدث قومي يستحق التغطية الإعلامية، ويصبح بإمكانك أن تعزم عليها أكبر الشخصيات بثقة مطلقة؛ فالجميع أمام ورق الدوالي سواسية، والكل يرفع الراية البيضاء أمام طنجرة تفوح منها رائحة النصر.

وهكذا يبقى ورق الدوالي أكثر من مجرد طبق شعبي؛ إنه امتحان سنوي للصبر، وموسم لاختبار مهارات النساء في اللفّ، ومهارات الرجال في التهرب الأنيق من العمل. لكنه في النهاية مناسبة تجمع العائلة حول طنجرة واحدة، وتثبت أن بعض القرارات المصيرية لا تُؤخذ في البرلمانات ولا المؤتمرات، بل في المطبخ... وتحديدًا عند السؤال الخالد: "اليوم نطبخ ورق دوالي ولا لا؟"

وفي النهاية، قد يختلف الناس على طريقة الحشوة أو مقدار الحموضة، لكنهم يتفقون دائمًا على أن "موسم الدوالي" واحد من ألذ مواسم الفرح العائلي.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

وفد فلسطيني يصل السويد الأحد لبحث ترتيبات انتخابات المجلس الوطني

انتشال 8 جثث بعد غرق زورق مهاجرين بتونس

استعداداً لجسر عمّان .. الأشغال تبحث مسارات بديلة لتخفيف الازدحام

أبو السمن يبحث تسريع إنجاز مشاريع برنامج رؤية التحديث الاقتصادي

الملكاوي: تحديات فنية تعيق استكمال طرق مساندة لمشروع جسر عمّان

إنجاز 65% من تأهيل مستشفى البادية الشمالية واستكماله مطلع 2027

مجلس الوزراء يقر إنشاء 5 مدارس تقنية جديدة بكلفة 25 مليون دينار

حقوق الإنسان: حالات الاتجار بالبشر في الأردن محدودة للغاية

العمل: إعفاءات مالية لأصحاب المنازل عند تصويب العمالة الأجنبية

لجنة الاستثمار بنقابة الصحفيين تعقد اجتماعها الأول لبحث المشاريع

تعاون بين TGS والمركزية تويوتا ونادي السيارات لتعزيز السلامة المرورية في الأردن

في أسبوع واحد .. 125 قضية كريستال و201 شخصاً أمام مكافحة المخدرات

الشباب النيابية تبحث تحديات أندية كرة اليد وتوصي بزيادة الدعم المالي

من وسيط إلى حليف في الظل؟ .. باكستان تضغط لفتح باب سوريا أمام إيران

الصفدي: الأردن ثابت بموقفه الداعم لسياسة الصين الواحدة

سياحة الأعيان: ضرورة مواصلة تطوير موقع المغطس ومحيطه

سبب وفاة فؤاد حجازي تهز مواقع التواصل

أرض بملايين الدنانير وموظفون بلا دوام .. الحكومة أمام أسئلة حاسمة .. صور

أمطار صيفية نادرة تفاجئ الشمال .. وهذا ما ينتظر الأردن خلال الأيام المقبلة

77 مليار لتر سُرقت من مياه الأردن .. رقم يفوق سعة سد الملك طلال

قرار في جامعة حكومية يفتح ملف الصلاحيات القانونية

بيان شديد اللهجة من عشائر الخزاعية بشأن عرس مادبا: سنلجأ للقضاء

القبول الموحد يغلق قبل المكرمة .. موعدان مختلفان وخطوة لا يجوز تأجيلها

الذهب يلمع في الأردن اليوم .. أسعار

«خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن

وفاة ممثل مصري شهير .. صورة

وفاة عشريني متأثرًا بإصابته برصاص والده في البلقاء

حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة

من 50 إلى 300 دينار .. أجور الإتلاف تقفز 500% ومكافآت جديدة

بعد سرقة 77 مليار لتر في الأردن .. فتوى تحسم الحكم الشرعي