حين تتضخم الاحتفالات وتتراجع الدولة
23-08-2026 01:51 PM
ليست المشكلة في الفرح، ولا في الأعياد، ولا في المناسبات الوطنية والاجتماعية. فالاحتفال حاجة إنسانية، ووسيلة للتعبير عن الذاكرة والانتماء، وطريقة لاستعادة شيء من التماسك في أوقات الأزمات. وليس من العدل أن يُنظر إلى كل مناسبة بوصفها ترفًا أو إسرافًا، أو أن يُختزل الفرح الشعبي في كونه هروبًا من الواقع.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاحتفال أكبر من المناسبة، وأعلى صوتًا من الحقيقة، وأكثر حضورًا من الدولة نفسها. تبدأ حين تتكاثر المهرجانات والفعاليات والولائم والاستعراضات، في الوقت الذي تتراجع فيه الخدمات العامة، وتتقلص مساحة الحريات، وتضعف الثقة بالمؤسسات، وتتسع دوائر الفقر والبطالة والفساد، ويشعر المواطن أن الدولة تنسحب من مسؤولياتها بينما تواصل إنتاج الصور والاحتفالات.
المفارقة التي تستحق النقد ليست أن الأردن يحتفل، بل أنه يبدو، في كثير من الأحيان، أكثر قدرة على تنظيم المشهد من قدرته على إصلاح الواقع الذي يفترض أن يعبّر عنه المشهد. فكلما ازدادت الأضواء واللافتات والمنصات والخطب، ازدادت الحاجة إلى السؤال: ماذا يحدث خارج إطار الصورة؟ وما الذي يحاول هذا التوسع الاحتفالي أن يقوله أو أن يغطي عليه؟
إنها مفارقة بلد تتراجع فيه مؤشرات كثيرة من مؤشرات الحياة العامة، بينما تتضخم مناسباته الرسمية والاجتماعية. تتراجع الحريات وحقوق الإنسان، وتضيق مساحة الرأي والتعبير، وتتعثر الديمقراطية، ويزداد الحديث عن الفساد وضعف المساءلة، وتتآكل البنية التحتية، ويتراجع التعليم والصحة، وتضعف أدوار الدولة الاجتماعية والاقتصادية؛ ومع ذلك تتسع صناعة الاحتفال، كما لو أن كثافة المشهد يمكن أن تعوض عن غياب الإنجاز.
وفي المجتمع نفسه، تتصاعد مؤشرات الفقر والبطالة والجريمة والطلاق والعنوسة والقلق من المستقبل، لكن المناسبات تصبح أكثر ضخامة وكلفة واستعراضًا. تتحول الأعراس والتخرج والنجاح والولائم والاحتفالات العائلية إلى ساحات لإثبات المكانة، حتى عندما تكون القدرة الاقتصادية للأسر آخذة في الانكماش.
لا تعني هذه الملاحظة أن كل احتفال خداع، ولا أن كل أسرة تنفق على مناسبة تفعل ذلك لتغطية فقرها، ولا أن كل فعالية رسمية هدر. لكنها تعني أن التناقض بين تضخم الاحتفال وتراجع شروط الحياة أصبح جديرًا بالتحليل السياسي والاجتماعي.
أولًا: حين يصبح المشهد بديلًا عن الدولة:
الدولة لا تُقاس بعدد المناسبات التي تنظمها، ولا بحجم المنصات التي تقيمها، ولا بقدرتها على إنتاج صور جماهيرية مؤثرة. تُقاس الدولة بقدرتها على حماية الحقوق، وضمان الحريات، وتوفير التعليم والصحة والنقل والماء والعمل، وتحقيق العدالة، ومحاسبة الفاسدين، وإتاحة المجال للمواطن كي يشارك ويعترض ويحاسب.
لكن الدولة التي تتراجع في هذه المجالات قد تلجأ—بوعي أو من دونه—إلى توسيع حضورها الرمزي. فإذا لم يعد المواطن يرى أثر الدولة في المدرسة والمستشفى والشارع وسوق العمل، قد يجري تعويض هذا الغياب بحضور كثيف في الاحتفال والإعلان والخطاب.
هنا تنتقل الدولة من كونها مؤسسة تنتج الحقوق والخدمات إلى كونها مشهدًا ينتج الانطباعات. ويصبح المطلوب من المواطن ألا يسأل فقط: ماذا قدمت الدولة؟ بل أن يكتفي أحيانًا برؤية الدولة وهي تعرض نفسها بوصفها حاضرة وقوية ومستقرة.
غير أن الحضور في الصورة لا يساوي الحضور في الحياة. قد تظهر الدولة في مهرجان حاشد، لكنها لا تظهر بالقدر نفسه في مدرسة مكتظة أو مستشفى يعاني نقصًا أو طريق متهالك أو إدارة لا تستجيب للمواطن. وقد ترفع شعارات المشاركة والديمقراطية، بينما تتراجع في الواقع مساحة النقد الحر والتعبير المستقل.
المشكلة إذن ليست في وجود الرموز، بل في استخدامها لتغطية الفجوة بين ما تقوله الدولة وما يعيشه الناس.
ثانيًا: الاحتفال الرسمي في ظل تراجع الحقوق والحريات
لا يمكن فصل تضخم الاحتفال الرسمي عن طبيعة المجال السياسي الذي يجري داخله. فالاحتفال الوطني يفترض أن يكون مناسبة جامعة، لكنه يفقد جزءًا من معناه عندما تضيق مساحة المواطنة التي تجعل الناس شركاء حقيقيين في الدولة.
كيف يمكن أن يكون الحديث عن الوحدة الوطنية مقنعًا إذا كان المواطن يخشى التعبير عن رأيه؟ وكيف يمكن أن تُرفع شعارات الكرامة والاستقلال بينما تتراجع حماية الحقوق والحريات؟ وكيف تصبح الديمقراطية احتفالًا رمزيًا إذا كانت المشاركة الفعلية محدودة، والمساءلة ضعيفة، والنقد يُعامل بوصفه إزعاجًا أو تهديدًا؟
إن الاحتفال بالدولة لا يكون مقنعًا عندما تتراجع الدولة في علاقتها بمواطنيها. فالاحتفال الوطني لا ينبغي أن يكون بديلًا عن احترام الإنسان، بل نتيجة له. ولا معنى لتمجيد الوطن إذا كان المواطن يشعر أن صوته لا قيمة له، وأن حقوقه قابلة للتقييد، وأن مؤسساته لا تستمع إليه إلا في المناسبات.
لهذا فإن المبالغة في الاحتفال، في ظل تراجع الحريات، قد تبدو كأنها محاولة لإنتاج إجماع بصري في الوقت الذي يتراجع فيه الإجماع السياسي. تجمع الدولة الناس في الساحات، لكنها لا تمنحهم بالضرورة مساحة كافية في المجال العام. توحدهم في الصورة، لكنها قد تتركهم مختلفين ومهمشين خارجها.
ثالثًا: الديمقراطية التي تُستبدل بالتصفيق
الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فحسب، ولا خطابًا رسميًا عن المشاركة، ولا احتفالًا بالمؤسسات. إنها ممارسة يومية تقوم على حرية الرأي، وحق الاختلاف، وتداول المسؤولية، وشفافية القرار، واستقلال الرقابة، وإمكانية محاسبة السلطة.
عندما تتراجع هذه العناصر، قد يتحول الاحتفال إلى صورة بديلة للديمقراطية. فبدل أن يكون المواطن شريكًا في تحديد الأولويات ومراقبة الأداء، يصبح متلقيًا للرسائل ومشاركًا في التصفيق. وبدل أن تُقاس شرعية الدولة بقدرتها على الاستماع والاستجابة، تُقاس بقدرتها على حشد الجمهور وإنتاج مشهد مؤثر.
هذه ليست ديمقراطية، بل إدارة للمظهر الديمقراطي. وهي لا تلغي المؤسسات بالضرورة، لكنها تفرغها من مضمونها حين يصبح الشكل أهم من المشاركة، والاحتفال أهم من النقاش، والولاء المعلن أهم من الحق في الاعتراض.
رابعًا: الفساد واحتفالات النزاهة
تتضاعف المفارقة عندما تتسع الاحتفالات الرسمية في بيئة يزداد فيها شعور الناس بانتشار الفساد وضعف المساءلة. فالمواطن لا يحتاج إلى مهرجان عن النزاهة بقدر ما يحتاج إلى مؤسسة تكشف المال العام، وتمنع تضارب المصالح، وتحاسب المعتدين على الموارد العامة، وتوضح كلفة كل فعالية وعائدها.
لا يكفي أن تتحدث الدولة عن الشفافية إذا كانت تفاصيل الإنفاق غائبة، ولا يكفي أن تعلن عن محاربة الفساد إذا بقيت المساءلة انتقائية أو بطيئة أو غير مقنعة. إن الخطاب الأخلاقي لا يعوض عن المؤسسات، والصورة النزيهة لا تعوض عن إجراءات النزاهة.
كل فعالية تُقام من المال العام يجب أن تخضع لسؤال بسيط: ما العائد العام منها؟ هل تحقق هدفًا ثقافيًا أو سياحيًا أو اقتصاديًا أو تعليميًا واضحًا؟ هل كلفتها معلنة؟ هل يمكن قياس نتائجها؟ أم أنها مجرد مناسبة تضاف إلى أرشيف الصور والخطب؟
حين لا توجد إجابة، تصبح الاحتفالات جزءًا من اقتصاد المظاهر، وقد تتحول إلى فرصة لتوزيع النفوذ والعقود والرعاية والإعلان، بدل أن تكون خدمة عامة واضحة الغاية.
خامسًا: البنية التحتية المتآكلة ومدينة الواجهة
تحتاج الدولة إلى طرق وجسور وشبكات ماء وصرف صحي ونقل عام ومبانٍ مدرسية ومرافق صحية. وهذه أعمال لا تُنجز بالزينة ولا باللافتات، ولا تظهر نتائجها في ليلة واحدة. لكنها أساس الحياة اليومية، ومن دونها تصبح كل صورة لمدينة مضاءة واجهة هشة تخفي وراءها بنية متعبة.
المشكلة أن الدولة قد تتعامل مع المكان بوصفه مسرحًا قبل أن تتعامل معه بوصفه فضاءً عامًا يحتاج إلى صيانة واستدامة. تُجمَّل الساحات في موسم الاحتفال، لكن الحفر تبقى في الطرق. تُضاء الواجهات، لكن شبكات المياه تضعف. تُنصب المنصات، لكن النقل العام يظل عاجزًا عن خدمة الناس.
هنا يظهر الفرق بين مدينة تُعرض ومدينة تُعاش. الأولى تصلح للصور والتقارير، والثانية تحتاج إلى استثمار طويل الأجل، ومؤسسات كفؤة، ورقابة على التنفيذ، ومحاسبة على التأخير والهدر.
سادسًا: التعليم والصحة خارج سينوغرافيا الاحتفال
لا يستطيع احتفال وطني أن يعوض طالبًا عن مدرسة جيدة، ولا يستطيع خطاب عن المستقبل أن يعالج تراجع جودة التعليم، ولا تستطيع صورة مستشفى حديث أن تخفي معاناة المريض مع الكلفة أو الانتظار أو نقص الموارد.
التعليم والصحة هما الاختبار الأكثر قسوة لجدية الدولة؛ لأن أثرهما لا يقاس بحجم الحضور في المناسبة، بل بما يحدث داخل الصف وغرفة العلاج. وإذا تراجعت الخدمة، فإن الاحتفال الذي يتجاهل هذا التراجع يتحول من تعبير عن الإنجاز إلى محاولة لصناعة الانطباع.
تحتاج الدولة إلى أن تحتفل بما أنجزته فعلًا، لا بما تتمنى أن يصدقه المواطن. فالاحتفال بمشروع تعليمي أو صحي لا يصبح ذا معنى إلا عندما يظهر أثره في جودة الخدمة، وسهولة الوصول، وعدالة التوزيع، واحترام كرامة المستفيدين.
سابعًا: تراجع الدولة وتضخم خطابها
من أخطر التحولات أن تتراجع الدولة عن دورها الاقتصادي والاجتماعي، ثم تعوض هذا التراجع بتضخم الخطاب حول حضورها. عندما تتخلى عن مسؤوليتها في حماية الفئات الأضعف، أو تترك الخدمات لمنطق السوق، أو تنسحب من تنظيم العمل وتوفير الفرص، فإنها لا تستطيع أن تطلب من المواطن أن يكتفي بصورة الدولة الحاضرة في الاحتفال.
الدولة ليست جهازًا لإدارة المناسبات، بل عقدًا للحقوق والواجبات. وإذا أصبحت الدولة حاضرة في الاحتفال وغائبة عن الحماية، حاضرة في الخطاب وغائبة عن الخدمة، حاضرة في الصورة وغائبة عن المساءلة، فإن المشكلة لا تكون في المهرجان نفسه، بل في اختلال وظيفة الدولة.
ثامنًا: المجتمع المحتفل في زمن الفقر والبطالة
لا يقتصر تضخم الاحتفال على الدولة. فالمجتمع نفسه يعيش ضغطًا متزايدًا لإظهار الرفاه حتى عندما تتراجع القدرة على إنتاجه. تتسع البطالة، ويزداد الفقر، ترتفع كلفة السكن والزواج، ويتراجع الأمان الاقتصادي، لكن المناسبات الاجتماعية لا تنكمش بالضرورة؛ بل قد تصبح أكثر كلفة واستعراضًا.
قد يبدو ذلك تناقضًا، لكنه مفهوم اجتماعيًا. فعندما تضيق أبواب المكانة الحقيقية—العمل، والدخل، والاستقلال، والإنجاز المؤسسي—قد يبحث الناس عن أبواب رمزية بديلة. يصبح العرس مشروعًا لإثبات المكانة، وحفلة التخرج إعلانًا عن النجاح، والوليمة وسيلة لتأكيد الكرم، والمناسبة العائلية ساحة لإظهار القدرة على الاستمرار.
لكن ما يبدأ بوصفه اختيارًا قد يتحول إلى إلزام. فلا يعود السؤال: هل تستطيع الأسرة تحمل كلفة الاحتفال؟ بل: هل تستطيع أن ترفضه دون أن تخسر مكانتها؟ وهنا يصبح المجتمع شريكًا في صناعة الضغط؛ إذ يعاقب البساطة اجتماعيًا، ويكافئ المبالغة، ويحوّل حجم المناسبة إلى معيار للقيمة.
تاسعًا: الأعراس والطلاق والعنوسة وقلق الأسرة
تزداد حدة المفارقة في موضوع الزواج. فالفقر والبطالة وتأخر الاستقلال الاقتصادي عوامل تضغط على فرص الزواج وتزيد القلق من تأسيس الأسرة. وفي الوقت نفسه، تتضخم كلفة الزواج والاحتفال، حتى يصبح الدخول إلى الحياة الزوجية محاطًا بشروط استهلاكية ورمزية تتجاوز قدرة كثير من الشباب.
ولا يجوز اختزال الطلاق أو العنوسة في سبب واحد، كما لا يجوز الجزم بأن تضخم الاحتفالات هو السبب المباشر لها. لكن من المشروع نقد البيئة الاجتماعية التي تجعل الزواج مشروعًا مكلفًا، وتربط قيمة الأسرة بحجم الحفل، وتحمّل الشباب والأسر أعباء تفوق قدرتهم.
في هذه البيئة يصبح الاحتفال جزءًا من المشكلة عندما لا يكتفي بتوثيق الزواج، بل يحوله إلى عرض اجتماعي طويل ومكلف، تدفع الأسرة ثمنه قبل أن تبدأ الحياة الزوجية. وتصبح البهرجة، بدل أن تكون تعبيرًا عن الفرح، حاجزًا أمام الفرح نفسه.
عاشرًا: الجريمة والقلق الاجتماعي خلف واجهة الفرح
لا تعني زيادة الاحتفالات أن المجتمع سعيد، كما لا تعني كثافة المظاهر أن الناس يعيشون رفاهًا حقيقيًا. قد يكون الاحتفال، في بعض الحالات، وسيلة لمقاومة القلق، أو للهروب المؤقت من الإحساس بالعجز، أو لتأكيد أن الحياة ما تزال ممكنة رغم انسداد الأفق.
لكن المجتمع الذي تتزايد فيه الجريمة والبطالة والفقر والطلاق لا يحتاج إلى خطاب يطلب منه أن يبدو سعيدًا، بل إلى سياسات تعالج أسباب القلق. فالفرح لا يُصنع بقرار دعائي، والاستقرار لا ينتج من كثرة المنصات، والأمان الاجتماعي لا يقاس بعدد الأغاني في المناسبات.
إن تحويل المشكلات البنيوية إلى مشكلة في «مزاج الناس» ظلم مزدوج. فهو يعفي السياسات من مسؤوليتها، ويطلب من المتضررين أن يبتسموا كي لا يفسدوا صورة الاحتفال.
الحادي عشر: اقتصاد المظاهر وإنتاج الوهم
يمكن وصف هذا الواقع بأنه اقتصاد للمظاهر؛ اقتصاد لا يبيع السلع فحسب، بل يبيع صورة النجاح والانتماء والرفاه والقدرة. الدولة تبيع صورة الاستقرار، والمؤسسات تبيع صورة الإنجاز، والأسرة تبيع صورة الوجاهة، والفرد يبيع صورة النجاح.
في هذا الاقتصاد، لا يكون الإنفاق موجهًا دائمًا إلى الحاجة، بل إلى ما يراه الآخرون. وقد تنفق الأسرة على ليلة واحدة ما تحتاجه لأشهر، ليس لأنها لا تعرف أولوياتها، بل لأنها واقعة تحت ضغط الاعتراف الاجتماعي. وقد تنظم الدولة فعالية مكلفة لأنها تخشى أن تبدو غائبة، لا لأنها قاست أثرها العام.
ينتج اقتصاد المظاهر وهمًا مزدوجًا: يوهم الدولة بأنها أنجزت لأنها ظهرت، ويوهم المجتمع بأنه ميسور لأنه احتفل. لكن الوهم لا يلغي الفقر، والصورة لا تسدد الدين، والتصفيق لا يخلق فرصة عمل.
الثاني عشر: من إدارة الواقع إلى إدارة الانطباع
عندما تعجز المؤسسات عن معالجة الأزمات بسرعة، قد تنتقل من إدارة الواقع إلى إدارة الانطباع. يصبح الهدف هو تهدئة الغضب، وصناعة قصص إيجابية، وتكثيف الرسائل الوطنية، وإبقاء الجمهور داخل مشهد متفائل، بدل فتح نقاش صريح حول أسباب التراجع ومسؤولياته.
لا يلزم أن يكون ذلك مؤامرة منظمة. قد ينتج عن تفاعل مصالح مؤسساتية وإعلامية وتجارية: جهة تريد إظهار إنجاز، ومسؤول يريد نجاح مناسبة، وشركة تريد إعلانًا، وجمهور يريد لحظة فرح. لكن النتيجة النهائية قد تكون واحدة: تضخم الصورة وانكماش الحقيقة.
المشكلة أن المواطن لا يحتاج إلى مزيد من الصور عن الدولة، بل إلى دولة يمكنه اختبارها ومساءلتها. يحتاج إلى حقه في المعرفة، وحرية التعبير، وخدمة محترمة، ومؤسسة لا تخلط بين النقد والعداء.
الثالث عشر: السؤال الأخلاقي للإنفاق الاحتفالي
ليس المطلوب منع الاحتفال، بل إخضاعه للعدالة والشفافية. في مجتمع تتراجع فيه دخول الأسر ويزداد فيه الفقر والبطالة، يصبح التباهي المفرط بالإنفاق سؤالًا أخلاقيًا، لا لأن الفرح ممنوع، بل لأن المبالغة قد تحول حياة الناس إلى سباق دائم لإثبات ما لا يملكونه.
وعلى مستوى الدولة، يصبح السؤال أكثر حدة؛ لأن المال العام ليس ملكًا لمسؤول أو جهة منظمة. كل دينار ينفق على فعالية يجب أن يبرر نفسه أمام المواطن الذي ينتظر مدرسة أفضل، ومستشفى أكثر قدرة، وطريقًا آمنًا، وفرصة عمل، وعدالة في توزيع الموارد.
لهذا ينبغي أن تتوافر لكل فعالية عامة إجابات واضحة عن خمسة أسئلة: ما غايتها؟ من يمولها؟ كم تكلف؟ ما عائدها؟ وكيف ستقاس نتائجها؟ من دون ذلك، يصبح الاحتفال استهلاكًا سياسيًا للمال العام.
الرابع عشر: ما الذي يجب أن تحتفل به الدولة؟
يجب أن تحتفل الدولة عندما تنجح في حماية حق، أو تحسين خدمة، أو خفض فقر، أو توفير عمل، أو بناء مدرسة، أو إنقاذ مستشفى، أو ضمان حرية، أو محاسبة فاسد، أو توسيع المشاركة الديمقراطية. هذه هي الإنجازات التي تستحق أن تتحول إلى ذاكرة عامة.
أما أن تحتفل الدولة بحضورها بينما تتراجع وظائفها الأساسية، فذلك يحول الاحتفال إلى ستار. فالاحتفال الحقيقي بالوطن يبدأ من احترام المواطن، لا من استخدامه خلفية للصورة. وتكريم الدولة لا يكون بترديد الشعارات، بل بإجبارها على أن تكون جديرة بها.
الخامس عشر: ما الذي يجب أن يعيد المجتمع تعريفه؟
يحتاج المجتمع بدوره إلى إعادة تعريف الفرح والمكانة. لا ينبغي أن يكون حجم العرس دليلًا على قيمة الأسرة، ولا فخامة الوليمة معيارًا للكرم، ولا كلفة المناسبة مقياسًا للنجاح. فالمكانة التي تحتاج إلى دين أو ضغط أو استعراض كي تثبت نفسها مكانة هشة.
يمكن للمجتمع أن يخفف هذا الضغط إذا جعل البساطة مقبولة، والزواج الأقل كلفة طبيعيًا، والاحتفال المتواضع جديرًا بالاحترام. وهذه مسؤولية الأسر والنخب الاجتماعية والدينية والثقافية والإعلامية، لأن استمرار سباق المظاهر لا يثقل الفقراء وحدهم؛ بل يضع الجميع داخل منافسة لا تنتهي.
خاتمة: حين تصبح الأضواء دليلًا على العتمة
لا تكمن المشكلة في أن نحتفل، بل في أن الاحتفال يتضخم في اللحظة التي تتراجع فيها الدولة والمجتمع عن شروط الحياة الكريمة. فحين تضيق الحريات، وتتراجع حقوق الإنسان، وتضعف الديمقراطية، ويزداد الفساد، وتتآكل البنية التحتية، وتتراجع الصحة والتعليم، وتنسحب الدولة من أدوارها، يصبح تضخم الاحتفال علامة على خلل أعمق في ترتيب الأولويات.
وحين يزداد الفقر والبطالة والجريمة والطلاق والعنوسة والقلق من المستقبل، ثم تزداد كلفة الأعراس والولائم والمناسبات، يصبح الاحتفال الشعبي انعكاسًا لضغط المكانة لا دليلًا على الرفاه.
لا يمكن للأضواء أن تخفي العتمة إلى الأبد. ولا تستطيع الموسيقى أن تسكت أسئلة الحقوق. ولا يمكن للمنصة أن تعوض عن المدرسة، ولا للخطاب الوطني أن يعوض عن الحرية، ولا للصورة أن تعوض عن الخدمة، ولا للتصفيق أن يعوض عن الديمقراطية، ولا للزفاف الفخم أن يعالج فقر الأسرة أو بطالة أبنائها.
السؤال الحقيقي ليس: هل كانت الاحتفالات جميلة؟ بل: ماذا بقي منها بعد أن انطفأت الأضواء؟
إذا بقيت مدرسة متدهورة، ومستشفى عاجز، وطريق متهالك، وشاب بلا عمل، وأسرة مثقلة بالدين، وصحفي يخشى التعبير، ومواطن لا يثق بالمؤسسة، فإن الاحتفال لم يكن تعبيرًا عن التقدم، بل كان إدارة مؤقتة لصورة التراجع.
أما الدولة التي تستحق الاحتفال، فهي الدولة التي تجعل المواطن يعيش الكرامة كل يوم، لا الدولة التي تجعله يصفق لها ساعة. والمجتمع الذي يستحق الفرح هو المجتمع الذي لا يُجبر أفراده على شراء الاعتراف الاجتماعي من قوتهم ومستقبلهم.
حين تتراجع الدولة في الواقع وتنتصر في الصورة، تصبح كثرة الاحتفال ليست دليلًا على قوة المجتمع، بل إنذارًا بعمق أزمته.
إيران تعلن اكتشاف 7.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز في فارس
نقابة الفنانين تقيم بيت عزاء للراحل فؤاد حجازي
صقور الأردن ينهون تحضيراتهم في تايبيه ويتجهون للفلبين لتصفيات المونديال
التربية: التوسع في النقل المدرسي لن يتم سريعًا وقد يمتد إلى 4 سنوات
المنتخب النسوي ت17 ينهي معسكره التدريبي في إندونيسيا
الفيصلي يتعاقد مع الإيفواري ويلفريد إيزا
بعد رصد ممارسات خطرة .. حملة مرورية توعوية ورقابية شاملة
حين تتضخم الاحتفالات وتتراجع الدولة
اطلاق مشروع آفاق التكنولوجيا الحديثة
توجه لإضافة 100 دونم إلى حديقة المفرق لمواقف السيارات
الضفة الغربية: نحو استراتيجية أردنية لاستباق المخاطر
حبس وغرامة تصل إلى 20 ألف دينار لمرتكب هذه المخالفة
إعفاءات وتسهيلات وأراض بإيجارات رمزية .. أخبار سارة
سياحة الأعيان: ضرورة مواصلة تطوير موقع المغطس ومحيطه
أرض بملايين الدنانير وموظفون بلا دوام .. الحكومة أمام أسئلة حاسمة .. صور
سبب وفاة فؤاد حجازي تهز مواقع التواصل
أمطار صيفية نادرة تفاجئ الشمال .. وهذا ما ينتظر الأردن خلال الأيام المقبلة
77 مليار لتر سُرقت من مياه الأردن .. رقم يفوق سعة سد الملك طلال
قرار في جامعة حكومية يفتح ملف الصلاحيات القانونية
بيان شديد اللهجة من عشائر الخزاعية بشأن عرس مادبا: سنلجأ للقضاء
القبول الموحد يغلق قبل المكرمة .. موعدان مختلفان وخطوة لا يجوز تأجيلها
«خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن
وفاة عشريني متأثرًا بإصابته برصاص والده في البلقاء
حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة
من 50 إلى 300 دينار .. أجور الإتلاف تقفز 500% ومكافآت جديدة