قسمة عادلة

mainThumb

17-11-2022 07:38 PM

في أواخر العقد الثالث من القرن الماضي وبحلول موسم الشتاء قرر ناصر ان يزرع شعيرا في ارضه.

وفي يوم مشرق ليس فيه مطر انطلق الى قطعة أرضه ممتطيا صهوة الحصان الذي سيحرث عليه، ساق حمارا يحمل كيسا من بذور الشعير _ حوالي مائة كيلو غرام!

عند وصوله ركّب عود الحراث البدائي على الحصان ن وبذر كمية من البذار في الأرض بعد ان قطع الأرض الى مساحات مستطيلة كل مستطيل – مِعْناة. واخذ يحرث .انبعثت رائحة تربة الأرض بعبقها الطيب . استغرق بذر الحبوب وحراثة الأرض أسبوعا.... وفي نهاية اليوم الثالث تلبدت الغيوم في السماء مع انخفاض درجة الحرارة. حمد ناصر ربه على نعمة الغيث ، فعاد الى المنزل وقد أشرفت الشمس على المغيب. شعر بالبرد الشديد فاشعل نارا في المجلس في بيته المكون من مجلس وثلاث غرف أخرى جميعها مبنية من جلاميد الصخر.... اشاعت النار الدفء في المجلس مع تزايد الظلام لكن لمعان البرق ووقع المطر على سقف البيت الطيني أشاع جو من الرضى ، فشكر ناصر ربه على نعمة الغيث إذ أراحه من العودة في اليوم التالي الى حقله كي يروي الشعير الذي زرعه!

استمر هطول المطر ثلاثة أيام متتالية واستبشر المزارعون خيرا إذ اوحت الامطار ان الموسم سيكون وافرا نتيجة الامطارالغزيرة التي عمت البلاد !
وبعد أسبوعين قرر ناصر ان يذهب الى حقله ويتأكد ان مازرعه قد نبت ، فلما أقبل على الحقل لاحت الأرض خضراء فجد السير حتى وصل الحقل. سُرَّ سرورا كثيرا عندما شاهد الأرض قد اهتزت وربت وأنبت حب الشعير نباتا اخضرا، فحمد الله على نعمة الغيث الذي ارسله الله مغيثا البلاد والعباد.

عاد ادراجه الى البيت مساء.
كان الجو صافيا لا غيوم في السماء ودرجة الحرارة منخفضة واستمر توقف الامطار أسابيع طويلة ، فذبل الزرع ... وفي يوم عاد ناصر الى حقله، فوجد ان الزرع قد ذوى بشح الامطار ، فقد الامل وايقن ان الشعير لن ينمو جيدا!
فخرج من حقله يائسا والهم يعلو وجهه! وفي الطريق بعد ان سار مسافة طويله مشيا على الاقدام قرر ان يعرج على بيت عمه ابي مجاهد .
كان ابو مجاهد يسكن في بيت شعر وقد اعد القهوة العربية جالسا يتحدث مع ابن اخته ربيع . القى ناصر عليهما السلام فرحبا به ، فجلس ناصر مهموما مغموما وقد بدى عليه الاكتئاب فسأله ابو مجاهد:" خير ان شاء الله عسى ما فيه شر؟"
فأجاب ناصر:" والله ياعم الخير عند الله ، لكن انا ذهبت أطل على الزرع فوجدت الشعير ذابل وسيموت كله ويذهب تعبي سدى ،وانا ليس عندي أمل فيه ، حتى مافيه ندى !فالأرض ناشفه من الجفاف خلاص راح تعبي ع الفاضي!"
سال ربيع : " كم شوال زرعت ؟" فقال ناصر:" شوال شعير أبو خط أحمر- حوالي مائة كليو غرام!"
فقال ناصر: " تضمّني زرعك وانا اعطيك شوال الشعير الذي خسرته عند درس البيدر!"
فقال ناصر:" عليها وجه عمي أبو العبد انا موافق! "
فقال ربيع :" خذ بالك ، انت جعلت خالي أبا العبد كفيلا لك ، فهل انت موافق يا خال!"
فقال ناصر :" الله وكيلي ثم عمي ابو العبد ."
فقال أبو العبد:" انتم الاثنان جعلتماني كفيلا لكما ، وان نقضتما الاتفاق فعليكم القبول بما أحكم به ، وكلمة الرجل تربطه فهي ميثاق!"
اتفق الطرفان ونهض ربيع وامتطى بغلة سوداء واتجه الى السهل حيث الشعير الذابل.
شاهد ربيع ان حدول ماء غزير يجري بعيدا حوالي عشرين مترا عن حقل الشعير. بحث عن مجرفة وأدوات حفر وشق قناة ماء صغيرة من الحقل الى ان اوصلها الى حافة مجرى الجدول فأصبحت رابطا بين جدول الماءو حقل الشعير. . حوّل الماء في القناة الجديدة فتدفقت المياه الى حقل الشعير. مكث ربيع ثلاثة أيام يروي الشعير بالماء حتى ارتوى تماما. ثم اغلق فتحة الماء وغادر.
ومر أسبوع فذهب ربيع يتفقد الشعير فوجد ان الشعير قد نهض وارتفعت سيقانه الى الأعلى واستمر يعتني بحقل الشعيرفيزيل منهالأعشاب وجاء منتصف أيار فحان موعد الحصاد ، فاحضر ثلاثة من الحاصدين وحصدوا الشعير بالمناجل ثم نقل الشعير المحصود الى ساحة البيادر. كان الموسم وفيرا فبيدر الشعير شكل كومة كبيرة من القش واحضر ربيع عددا من الدواب فقرنها معا واخذ يدرس المحصول : يفرش كمية من السنابل بقشها على الأرض في "طرحة" ويجعل الدواب تدور عليها .
مر ناصر بالبيادر فشاهد ان بيدر ربيع من الشعير كبير فندم على الاتفاق الذي عقده مع ربيع فقال له : انا تراجعت عن الاتفاق وانا أريد محصول الشعير لي وحدي!
دار نقاش حاد بينهما كاد ان يتحول الى شجار بالأيدي فقال ربيع: " انت نقضت عهدك معي وكنت قد جعلت خالي أبا العبد كفيلا لتنفيذ الاتفاق فهيا بنا اليه ليحكم بيننا!" فوافق ناصر . وتركا البيدر بعد أبعدا الدواب عنه واتجهاالى بيت أبا العبد في مرجة على ظهر جبل صغير .
وجداه جالسا في الشق وعنده عدد من الضيوف.
دخلا الشق والقيا التحية على الحاضرين !
سال أبو العبد ربيعا ان كان قد حصد الشعير فقال ربيع لقد حصدته يا خال لكن ناصر يريد ان ينقلب عليّ ، فهو يريد المحصول كله !
فسال أبو العبد ناصر عن حقيقة الامر .
فقال ناصر :يا عم انا الذي تعبت
فانا من اشترى البذار وبذره في الأرض وحرثها فهل يرضيك ان يذهب تعبي سدى؟
وقال ربيع : أنا الذي روى الشعير ثم أزال الأعشاب الضارة منه ثم حصده وارسله للبيدر واخذ يدرس البيدر ، فهل يرضيك ان اتعب ولا احصل على شيء.
فقال أبو العبد: انتما جعلتماني كفيلا لكما ، وانت يا ناصر وضعت وجهي بينكما، وانا احكم ما يلي:
يقسم المحصول الى ثلاثة اقسام متساوية : ثلث لي وثلث لربيع وثلث لناصر! أتوافقان؟
فقالا: نعم وساد الوئام محل الخصام!