في ضوء تعديلات قانون الضمان الاجتماعي

في ضوء تعديلات قانون الضمان الاجتماعي

21-02-2026 11:58 PM

في البدء كان الضمان وعدًا؛ وعدًا بأن تعب السنوات لن يضيع، وأن العَرَق الذي تسرّب من جبين العامل سيتحوّل يومًا ما إلى طمأنينةٍ مستقرة في شيخوخته، فمنذ أن أُنشئت المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، تشكّل في الوعي المجتمعي معنىً أخلاقيٌّ للضمان، لا بوصفه صندوقًا ماليًا فحسب، بل باعتباره عقدًا اجتماعيًا صامتًا بين الدولة والمجتمع، بين الحاضر والمستقبل، غير أن التعديلات الأخيرة على قانون الضمان الاجتماعي جاءت، في نظر كثيرين، كريحٍ باردةٍ تعبر هذا العقد، فتجعله أقل دفئًا وأشدَّ هشاشة.
إن رفع سنّ التقاعد، في ظاهره، إجراءٌ تقنيٌّ محكومٌ بلغة الأرقام والاستدامة، لكنه في جوهره سؤالٌ عن معنى الزمن الإنساني: هل يُقاس عمر العامل بقدرته البيولوجية على الاستمرار، أم بقدرته الوجودية على العيش بكرامة؟ حين يُطلب من العامل أن يمدّ سنوات عطائه قسرًا، في سوق عملٍ يضيق بفرص الشباب ويثقل بأعباء الكبار، فإننا لا نمدّ عمر الإنتاج بقدر ما نؤجّل استحقاق الراحة، ونؤخر لحظة الاعتراف بأن للإنسان حدًا لا ينبغي أن يُستنزف، يصبح الزمن هنا أداة ضغط، لا إطار حياة، أما تعديل معادلات احتساب الرواتب التقاعدية وتقليص بعض المنافع، فليس مجرد إعادة صياغة حسابية؛ إنه إعادة تعريف للقيمة ذاتها، فالعامل الذي اقتُطع من أجره جزءٌ ثابتٌ لسنوات، كان يفعل ذلك على قاعدة يقينٍ أخلاقي: أن ما يُدفع اليوم سيعود غدًا في صورة أمنٍ واستقرار، فإذا تبدّلت المعادلات وتقلّص العائد، اهتزّ هذا اليقين، وكأننا نستبدل بميزان العدالة ميزانًا آخر تُرجّح فيه كفة الاستدامة المجردة على حساب الطمأنينة الإنسانية، عندئذٍ يتحوّل الضمان من مظلةٍ وادعة إلى سقفٍ مثقوب لا يقي من مطر القلق.
ثمّة مفارقة موجعة: العامل يدفع أكثر، لكنه يتوقع أقل، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، تصبح الاقتطاعات الشهرية جرحًا صغيرًا يتكرر كل شهر، بينما تتراجع الثقة بأن المستقبل سيكون أرحم من الحاضر، هنا لا نتحدث عن أرقام في جداول، بل عن أسرٍ تُعيد حساباتها، وأحلامٍ تُختصر، وأفقٍ يضيق شيئًا فشيئًا، فالضمان، إذا لم يمنح الشعور بالأمان، فقدَ اسمه قبل أن يفقد مضمونه، إن أي نظام تقاعدي يقف على ساقين: الاستدامة المالية، والعدالة الاجتماعية، وإذا اختلّ التوازن بينهما، اختلّ الكيان كله، لا أحد يُنكر ضرورة المراجعة الدورية، ولا يُجادل في أهمية حماية الصندوق من العجز، غير أن تحميل العبء الأكبر للحلقة الأضعف (العامل) يوحي باختزال الأزمة في جيبه، بدل مقاربتها برؤية شمولية تبحث في كفاءة الإدارة، وتوسيع قاعدة المشتركين، وتعظيم عوائد الاستثمار، ومعالجة التشوّهات البنيوية في العلاقة المالية بين الدولة والصندوق.
ومن هنا تبرز التوصية التي تمليها الحكمة قبل الانفعال، ومصلحة الوطن قبل الحسابات الضيقة: إن المضيّ في إنفاذ التعديلات بصيغتها الحالية، وفي هذا التوقيت الحرج، قد يفضي إلى تعميق فجوة الثقة وتوسيع دائرة القلق الاجتماعي، والأجدر (وحرصًا على الاستقرار المجتمعي والاقتصادي) إعادة النظر في توقيت التنفيذ، وتأجيل نفاذ القانون بصيغته المعدّلة إلى حين استكمال حوار وطني حقيقي يوازن بين مقتضيات الاستدامة وحقوق المشتركين.
كما أن العدالة تقتضي، قبل أي تحميلٍ إضافي على كاهل العامل، وضع جدولٍ زمني واضح وملزم لسداد الحكومة مديونيتها لصالح المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، بحيث تُسدَّد المستحقات وفق خطة مرحلية معلنة وشفافة، تُعيد الانضباط للعلاقة المالية وتؤسس لمرحلة جديدة من الثقة، فليس من المنطقي أن يُطلب من العامل مزيدٌ من التضحية، بينما تبقى الالتزامات المستحقة على الحكومة مؤجلة أو غير محددة السقف الزمني.
إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من جيب العامل، بل من إعادة ترتيب الأولويات، ومن إرساء مبدأ القدوة في الالتزام، فإذا التزمت الحكومة بسداد ما عليها ضمن إطار زمني واضح، وأُجري حوار تشاركي واسع يضمن عدالة التعديلات، أمكن عندئذٍ الحديث عن إصلاحٍ يُحصّن الصندوق دون أن يرهق الإنسان، وفي نهاية المطاف، لا يُقاس نجاح أي قانون بقدرته على سدّ العجز فحسب، بل بقدرته على صون الكرامة وتعزيز الثقة، والضمان، إن فقد روحه التضامنية، تحوّل إلى رقم؛ أما إذا حُفظت روحه، بقي عهدًا بين الوطن وأبنائه: عهدًا لا يُدار بالأرقام وحدها، بل يُصان بالعدالة والالتزام المتبادل.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد