تايوان: من جزيرة صغيرة إلى قلب التكنولوجيا العالمية

تايوان: من جزيرة صغيرة إلى قلب التكنولوجيا العالمية

21-02-2026 10:47 PM

لم تكن تايوان في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي قوة تكنولوجية تُذكر، لكنها اتخذت قرارًا استراتيجيًا غيّر مسارها بالكامل: الاستثمار المكثف في التعليم، خصوصًا التعليم التقني والهندسي. ركزت الحكومة على تطوير الجامعات، وإيفاد الطلبة إلى الخارج، وبناء معاهد بحثية متقدمة، وربط المعرفة النظرية بالتطبيق الصناعي. هذا التحول لم يكن عشوائيًا، بل كان مشروعًا وطنيًا طويل الأمد جعل من رأس المال البشري أهم مورد استراتيجي للدولة.

في الثمانينيات، بدأت تايوان ببناء نموذج شراكة حقيقي بين القطاعين العام والخاص. الدولة وفرت البنية التحتية، ومراكز الأبحاث، والتمويل الأولي، بينما تولى القطاع الخاص التطوير الصناعي والتوسع التجاري. من هذا التعاون وُلدت شركة TSMC عام 1987، كنموذج فريد لشركة تصنيع رقائق تعمل لصالح شركات عالمية دون أن تنافسها في المنتجات النهائية. هذا النموذج “الفاوندري” أصبح لاحقًا حجر الأساس في الصناعة العالمية لأشباه الموصلات.

اليوم، تسيطر تايوان على أكثر من 60% من سوق تصنيع الرقائق عالميًا، وأكثر من 90% من الرقائق المتقدمة الأقل من 7 نانومتر. هذه الهيمنة لم تأتِ من الموارد الطبيعية، بل من الاستثمار في المعرفة والبحث العلمي وسلاسل الإمداد الدقيقة. أصبحت تايوان نقطة ارتكاز في صناعات الذكاء الاصطناعي، والهواتف الذكية، والحوسبة السحابية، والسيارات الكهربائية. أي اضطراب في إنتاجها ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي.

في هذا السياق، يأتي الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة وتايوان كتحول استراتيجي يتجاوز الأبعاد الجمركية. خفض الرسوم من 20% إلى 15%، وإعفاء آلاف المنتجات التايوانية، يعززان تنافسية الصناعات التايوانية داخل السوق الأمريكية. في المقابل، تعهد تايبيه باستيراد طاقة وسلع أمريكية بأكثر من 80 مليار دولار يساهم في تقليص جزء من العجز التجاري الأمريكي، ويعيد ضبط التوازن في الميزان التجاري بين الجانبين.

البعد الطاقي في الاتفاق لا يقل أهمية عن البعد التكنولوجي. تايوان تعتمد على الاستيراد في أكثر من 95% من احتياجاتها من الطاقة، وزيادة واردات الغاز الطبيعي المسال والنفط الخام من الولايات المتحدة تعني تنويع مصادر الإمداد وتقليل المخاطر الجيوسياسية. فصناعة أشباه الموصلات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وأي خلل في الإمدادات قد يوقف مصانع كاملة خلال أيام.

على مستوى سلاسل الإمداد العالمية، الاتفاق يعزز مفهوم “الأمن الصناعي” بدلًا من التجارة الحرة المطلقة. الولايات المتحدة تسعى إلى ضمان وصول مستقر للرقائق المتقدمة، بينما تسعى تايوان إلى تأمين سوق مستقر واستثمارات طويلة الأجل. هذا الترتيب قد يرفع الطلب على الرقائق في المدى القصير، وربما يضغط على الأسعار إذا لم تتوسع الطاقة الإنتاجية بسرعة كافية.

أما بالنسبة للصين، فإن هذا التقارب الأمريكي-التايواني يحمل أبعادًا استراتيجية واضحة. بكين تدرك أن السيطرة على التكنولوجيا المتقدمة تعني النفوذ في الاقتصاد العالمي. لذلك، فإن أي اتفاق يعزز موقع تايوان في المنظومة الغربية يُنظر إليه في سياق التنافس التكنولوجي الأوسع بين واشنطن وبكين. ومع ذلك، فإن الصين لا تزال لاعبًا مهمًا في المواد الخام وسلاسل التوريد، ما يجعل المشهد معقدًا ومتداخلًا.

الأهم من كل ذلك أن التجربة التايوانية تقدم رسالة واضحة للدول النامية: التحول الحقيقي يبدأ من التعليم التقني والاستثمار في المعرفة. لم تحقق تايوان قفزتها عبر الموارد الطبيعية، بل عبر بناء عقول قادرة على الابتكار، ودولة تؤمن بالشراكة مع القطاع الخاص، واستراتيجية صناعية واضحة المعالم.

العالم القادم سيكون رقميًا بالكامل، وستكون التكنولوجيا هي اللغة المشتركة للاقتصاد العالمي. من يملك المعرفة يملك القرار، ومن يملك الرقائق يملك مفاتيح الصناعات المستقبلية. تايوان قدمت نموذجًا لكيف يمكن لدولة صغيرة أن تصبح قوة عالمية عبر التعليم، والبحث، والتخطيط طويل الأمد. والسؤال الذي يفرض نفسه: من سيتعلم الدرس؟


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد