غدر حاسد

mainThumb

21-11-2022 03:33 PM

في العقد السابع من القرن الماضي حلّت عطلة ما بين الفصلين المدرسية. اشرقت الشمس في اول يوم إجازة وعند الضحى اشتد الحر حتى ان العصافير خفت الى وكناتها هربا من شمس الصحراء اللافحة .
خرج المدرس عويد من منزله الذي يسكن فيه و زميله الأصهب الذي سأله: "إلى أين؟"
أجاب عويد:" أنا ذاهب الى الرجل الذي وعدته أن أدهن له بيته في العطلة المدرسية!”
فقال الأصهب: "الا تخشى ان يعلم المسؤولون في إدارة التعليم انك تعمل إضافي فينهون عقدك لأن القانون يحذر ان تمارس عملا إضافيا!"
فقال عويد: "نحن الان في عطلة، وانا خلال أربعة أيام سأكمل العمل ونحن في منطقة نائية لا أحد يدري !"
انطلق عويد مسرعا فتبعه الأصهب ناظرا من بوابة الزينك فرأى زميله يغذ الخطى .ورأى كلبا سمينا في الشارع فقال : الويل لهذا الكلب ما اسمنه... ما اسمنه!
طاح الكلب أرضا يتلوى وانطبق المثل على الأصهب :" يحسد الكلب عافيته!"
وفي المساء : عاد عويد متعبا وقد تناثرت نقاط الدهان على جميع انحاء ملابسه، فوجد صديقه الأصهب يتلوى من الألم فذهب الى بيت طبيب مصري يعيش في القرية يعمل في مستوصف فيها: وحضر الطبيب ، وفحص المريض وقال لعويد : من الواضح ان صديقك يعاني من نزيف في معدته او أمعائه ولابد من نقله الى اٌقرب مستشفى!
فقال الاصهب متشنجا: انت طبيب و لا تستطيع ان تحدد اين النزيف !
فضحك الطبيب قائلا: انا طبيب ولا اقول لك الا ما احسبه صحيحا ، فانا ليس لدي اشعة ولا أجهزة لتحديد مكان النزيف انا كالجندي الرامي بمدفع هاون يحاول إصابة الهدف فالرماية قد تصيب الهدف او لا تصيبه، وخير لك ان تذهب للمستشفى ففيه الوسائل التي يمكن بواسطتها تحديد موضع الألم او الشكوى التي ألّمت بك! هيا اذهب مع زميلك وأتمنى لك الشفاء!
فقال عويد: للأسف لا يوجد سيارة معي فقال الطبيب، انا عندي سيارة ،ٍأوصلكما الى هناك!
ونقل عويد صديقه وادخل المستشفى حيث قرر الأطباء إدخاله المستشفى وقرروا له عملية مستعجلة لكنه بحاجة الى دم. أسرع عويد الى "بنك الدم " فقالوا له يجب ان يطابق دمه دم زميلة وبعد تحليل دمه تبين ان دم عويد مطابق لدم الاصهب فتبرع عويد بوحدتي دم لصديقه! وبقى مرافقا له حتى اشرقت الشمس!
في اليوم التالي تعافى الاصهب واستأجرا الزميلان سيارة وعادا الى بيتهما! وصلا عند الظهيرة و لم يذهب عويد الى عمله في العمارة بل بقي في خدمة صاحبه : يُحّضَر له الطعام . ويعتني به عناية الأم الرؤوم بابنها. وبعد يومين استعاد الاصهب عافيته تماما!
وفي صباح اليوم التالي لتعافي صديقه استأنف عويد عمله في الدهان إذ انطلق باكرا فاعتذر لصاحب العمل عن اضطراره للبقاء في البيت مع زميله للعناية به ويساعده!
وفي الضحى حضر الأصهب الى موقع العمل فرأى صديقه منهمكا في العمل فحياه: وقال انت معلم بالدهان اكثر منك معلما للتلاميذ!
وأخذ الاصهب يضحك قائلا:" أترى أنت قد بهدلت نفسك وأهنتها، الحياة ليست جمع فلوس فقط . القناعة كنز لا يفنى!"
فقال عويد:" هذا باب رزق وفتح لي ، انا ساخذ أجرا في أسبوع ما يعادل ثلاثة أضعاف مرتبي الشهري!
فقال الأصهب: ربما كان ذلك صحيحا؟
في صباح اليوم التالي خرج عويد مبكرا.
أما الاصهب فقد نهض ضحى وتناول طعام الإفطار ... وخرج يحمل الة تصوير.... ذهب الى العمارة التي يشتغل فيها زميله فوجده وقد ارتقى سلما ...وكان يدهن الجزء الأعلى من جدار غرفة!
فقال الاصهب: أراك قد أنجزت ثلثي العمل في اقل من يومين .... والله انك عامل دهان نشيط ... لكن ستذكر في المستقبل هذه اللحظات التي ستصبح من ذكريات الامس، لكن انا سأوثق لك هذه اللحظات في صور تبقيها معك للذكرى ... كي لا تنسى أيام الشقاء في ديار الاغتراب والشمس اللاهبة... ضحك عويد مستحسنا الفكرة.
التقط الأصهب لزميله عويد صورا كثيرة في أوضاع وزوايا متعددة. ثم قال: " انا ذاهبٌ غدا الى مركز المحافظة كي أحمض الصور فأنت كما تعرف نحن في قرية نائية لا يوجد بها استوديو تصوير.
وفي المساء اصر عويد على دفع تكاليف التحميض ودفع ثمن بعض اللوازم من طعام واشياء أخرى ...
وفي صباح اليوم التالي انطلق الأصهب الى مركز المحافظة فشاهد مطعما عليه لافتة : المطعم الهندي للمأكولات"”
فضحك وقال: هل يوجد مطعم ليس للمأكولات... أظنهم يقصدون: مطعم مأكولات هندية"
شاهد محلا اخر مكتوبا علية ستوديو "زرقاء اليمامة"!
دخل محل الاستديو فوجد فيه عاملا هنديا، فطلب منه تحميض الصور تحميضا مستعجلا! وان يحضر ثلاث نسخ لكل صورة!
قال له الهندي :" تدفع تكلفة مضاعفة للتحميض المستعجل ونسخ الصور ." فوافق !
قال له :"ارجع بعد ساعة"
خرج يتمشى في شارع يدعى شارع المائة
كان ينظر الى الناس بحسد فيطيح هذا ويسقط ذاك!
وبعد ساعة عاد الى الاستوديو ودفع اجرة التحميض والصور الإضافية للهندي قائلا:" لا بارك الله لك فأجرة التحميض تعادل راتبي شهرا ! الويل لك الويل لك!"
شعر الهندي بدوار شديد ومغص شديد فخرج الاصهب مسرعا متجها الى حيث إدارة التعليم في المحافظة وسلم مغلفا فيه نسخ من صور زميله عويد وهو يعمل دهانا في احدى المباني السكنية!
وفي المساء عاد ليجد زميله عويد قد عاد مبكرا وحضّر طعام العشاء لهما الاثنين!
وبعد تناول العشاء أخرج مغلف الصور واخذا يتفرجان على الصور ويضحكان: قال الأصهب أنا صَوّرتك صورا ستقلب حياتك رأسا على عقب، هذه الصور تاريخية لن تنساها أبدا: فقال رفيقه: جزاك الله خيرا، انا عاجز عن الشكر!
وفي اليوم الأول بعد العطلة حضرت لجنة تفتيش الى المدرسة التي يداوم فيها عويد والأصهب واستُدِعي المعلمان الى مكتب مدير المدرسة حيث كان يجلس رئيس اللجنة!
سلما على رئيس اللحنة وجلس كل واحد منهما على كرسي مقابلا للرئيس: فسأل رئيس اللجنة :" كيف الحال، ان شاء الله استمتعتما بالعطلة؟
فقال عويد : نحمد الله!
فسأل : هل عملتما شيئا في العطلة وإن شاء الله العمل كان مريحا!
فقال الاصهب زهقنا من الملل ، لا يوجد شغل ولا عمل!
فضحك رئيس اللجنة وقال مخاطبا عويد:" اظن أن الأخ عويد قد تعب، فالدهان متعب لكنه يقوي العضلات!
قال عويد : " أنا مدرس لست دهانا.... " قاطعه الرئيس:... " على رسلك ... لا تستعجل حتى لا تقع في الغلط .... تفضل هذا المغلف وتأمل ما فيه...!"
صعق عويد عندما فتح المغلف فوجد نسخا من كل الصور التي صوّرها له صديقه!
لف شريط في ذهنه متذكرا قول صديقه ان الصور ستقلب حياته رأسا على عقب و متذكرا عِشْرةَ صديقه بحلوها ومرها، فقد عاشا معا على السراء والضراء!
حارت الكلمات على شفتيه فعجز عن الكلام لكنه نظر الى صديقه نظرة كليب بن وائل إلى جساس عندما طعنه جساس غدرا!
قال المفتش : "تعرفان ان القانون لا يسمح لكما بممارسة عمل خارج نطاق عملكما كمدرسين، ... وحرصا من ادارة التعليم على الا تقطع ارزاق الناس وتفاديا للمشكلات بينكما قررت إدارة التعليم نقلكما من هذه المدرسة الى مدرستين بينهما مسافة مئات الكيلو مترات - مدرسة في الشرق وأخرى في الغرب.
نظر عويد الى صديقه مرددا قوله تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ۝ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ۝ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ۝ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) [سورة البقرة:204 - 207]