عن الثقافة والمال: لا هذا ولا ذاك
08-03-2023 08:15 AM
لقد رصد الكاتب البريطاني - الأميركي توني جوت الأسباب التي باتت تمنع ظهور مثقّفين كزولا وكامو وميلوش، مسترجعاً تحوّلات مجتمعيّة عريضة. فالمذكورون كانوا قلّة يعيشون، كلّياً أو جزئيّاً، من الكتابة، وكان موقعهم وثيق الصلة بالإعلام المطبوع. وهذا ما استمرّ في أوروبا من أواخر القرن التاسع عشر حتّى ستينات القرن الماضي، حين بدأت تتراجع الكتابة، بوصفها الأداة الأفعل في إيصال الأفكار وتداولها. وكان أكثر ما تراجع قراءة الصحف والمجلات حيث يكتب المثقّفون. هكذا عدنا، بمعنى ما، إلى القرن الثامن عشر حيث لا تتواصل النُخب إلا مع نُخب. وبدورها نشأت ظاهرة «مثقّفي التلفزيون» التي تستمدّ موادّها مما يهمّ الجماهير في مجتمعات غدت جماهيريّة (mass societies)، كما تغيّر اقتصاد الحياة الثقافيّة، فلم يعد مالكو الصحف مثقّفين، بل غدوا أصحاب مصالح تجاريّة تدفعهم إلى مطالبة المثقّفين بالحرص في إبداء الرأي بحيث لا يُخلّ بمصالحهم. وبسبب هذا التمويل صار الولاء الأكبر مطلوباً أكثر في الإعلام، فشرع المثقّف النقدي الذي يعيش على الكتابة يختفي، وراحت تنكمش وسائله القديمة كالصحف والمجلات.
أمّا فئات المثقّفين التي توسّعت فضمّت المراقبين والفنيين ممن يدعمون حزباً أو «لوبي» ما، وموظّفي مراكز أبحاث يهتمّون بما يهمّ مراكزهم، مثلما شملت صحافيين استقصائيين اعتبروا أنّ واجبهم رصد انتهاكات السلطة، إلا أنّ عملهم يبقى بطبيعته جزئيّاً، وأكاديميين باتوا، منذ أواسط السبعينات، الأكثريّة الكاسحة من المثقّفين المؤثّرين.
وإذا دقّقنا في تلك الأسباب ونتائجها وجدنا المال حاضراً، مباشرة ومداورة، يتوّج وجهة بدأت قبل عقود، وإن عرفت قفزتها الكبرى أوائل الثمانينات.
فمنذ الخمسينات، لاحظ السوسيولوجي الأميركي سي رايت ميلز تلك الوجهة في التعليم، التي لم تكفّ عن التعاظم مذّاك، في موازاة تعاظم تمويل الجامعات وتحكّم المموّلين بالموادّ والمناهج التي تُدرّس. فقد استوقفه أنّ «اختصاصيّي الماضي» من علماء وفنّانين كانوا مستقلّين وأكثر إبداعيّة وبحثاً عن معادلات واكتشافات جديدة، لكنّ المصالح الاقتصاديّة لَوَتْ عنق العلم الذي استخدم التقنيّة جرّافة له. هكذا لم تعد مهمّة العالم إحداث اختراق في فهمنا، بل إنتاج تقنيّة قابلة للبيع ونافعة للاقتصاد. وهذا ما أدّى إلى إحكام ربط المعرفة بالربح، على ما يدلّ مثلاً إسهام صناعة الأدوية في تمويل البحوث الطبية. أمّا الأساتذة فبات يتضاعف تركيزهم على تعليم المعارف الوظيفيّة، ما أضاف إلى الجامعات كلّيّات البيزنس، بعدما كان تنسيب البيزنس إلى الأكاديميا سبباً للسخرية. كذلك أفضى إخضاع المعرفة للبيزنس إلى جعلها شديدة التجزئة، فقبلاً كان الأستاذ ذا إلمام عريض بالعالم وبباقي أنظمة المعرفة، لكنّه اليوم غدا ضيّق الاختصاص، يعجز عن ربط اختصاصه بتيّارات المعرفة الأعرض. وكما تغدو حياة الأساتذة أشدّ بيروقراطيّة ويتنامى الشقّ الإداري من عملهم، يشهد الفنّ تراجعاً في حضور المبدعين البوهيميين والتخريبيين، ليحلّ انضباط أكبر بما سمّته «مدرسة فرانكفورت» «صناعة الثقافة» التي تنتج ما يصادر احتجاج الناس ويعمم سلع الاستهلاك الجماهيريّ.
واليوم يُلاحَظ أنّ نسبة المبدعين من ذوي الخلفيّات الفقيرة لا تني تنخفض تبعاً لـ«ارتفاع كلفة» التحوّل إلى فنّان، من الدراسة في مدارس غنيّة إلى الاستفادة من شبكة علاقات عامّة أو امتلاك إستوديو أو مكتب أو محترف...
وهذا النقد يصيب في جانب ويبالغ في جانب آخر، فيترتّب عن مبالغته تشكيك بكلّ مؤسّسة وكلّ معرفة وكلّ نخبة، وهو أقصر الطرق إلى الشعبويّة وإلى إضعاف الثقة المتبادلة داخل المجتمعات وتحويل أفرادها ذرّات مفكّكة. فوق هذا، تحجب المبالغة حقيقة أنّ ذاك الغرب، المتراجع والمصاب بالنيوليبراليّة، لا يزال المصدر الأوّل، وبلا قياس، للثقافة والمعرفة، لأنّه المكان الوحيد في العالم حيث تُناقَش الإخفاقات والإساءات والتجاوزات وتغدو قابلة للتصحيح.
وإحدى أكثر المبالغات الشعبويّة استفحالاً إصدار إدانة إطلاقيّة لكلّ علاقة بين المال والثقافة، وتصوير «اقتحام» المال للثقافة بوصفه عدواناً لا ينجم عنه سوى الحطّ من شأن الثقافة وتوظيفها الحصري في خدمة رأس المال، (وهذا علماً بأنّ كثيرين من رافعي هذه الراية لا يعترضون على تمويلهم وتمويل مشاريعهم).
والزعم هذا، ومعه افتراض أنّ الانحطاط الثقافي هو حكماً ما ينجم عن تماسّ المال والثقافة، يجافيان عدداً لا حصر له من البديهيّات. فمنذ قدامى الإغريق، ارتبط الإبداع على أنواعه بالثراء المادّي وبعدم الاضطرار إلى أداء أعمال أخرى لسدّ الحاجة. وحتّى الماركسيّة الأوروبيّة، ماركسيّة ماركس، ربطت الازدهار الفكري والإبداعي بالوفرة، ولم تقدّس البؤس أو تقدّمه بيئة ملائمة للتفتّح. والأسوأ أنّ كثيرين من دعاة الفصل المطلق لا يتردّدون في المطالبة بتدخّل الدولة في الثقافة بديل القطاع الخاصّ، علماً بكثرة التجارب الدوليّة، شيوعيّة ونازيّة وسواها، التي تنبّهنا إلى كوارث هذا التدخّل.
فهل نقول، والحال هذه، إنّ الثقافة الإنسانيّة خسرت كثيراً من جرّاء الرسوم الكنسيّة لعصر النهضة والأعمال النحتيّة التي زيّنت فلورنسا وباقي المدن الإيطاليّة، علماً بأنّ البابوات والأسر الثريّة كانوا المموّلين، أو إنّ شكسبير كان وصمة عار على جبين الثقافة، لأنّ اللورد تشامبرلين دعمه ماليّاً؟ وهل تُدان موسيقى باخ الذي ظهر من يلقّبه بـ«موسيقار الكنائس اللوثريّة» في ألمانيا، أو نشيح بأبصارنا عن أعمال غويا الذي قضى الأيّام الطويلة يرسم ملوك إسبانيا وأمراءها، أو نغلق ديوان المتنبّي بسبب مدائحه المدفوعة لأميره سيف الدولة؟ وهؤلاء ليسوا سوى عيّنة صغيرة جدّاً من أسماء مبدعين لا يتّسع مجلّد لتعدادهم.
صحيح أنّ المال الثقافي لم يعد اليوم أعطية من رجل دين أو حاكم، لكنّ علاقة الثقافة بالمال تبقى ثابتاً بقدر ما تبقى شرطاً للإبداع. أمّا المسألة الجديرة بالنقاش فتتعلّق بترشيد استخدام المال وبرشد صاحب المال، بما يوفّر لأعداد أكبر من الناس، بل للجميع إن أمكن، القدرة على ممارسة الإبداع والنقد.
ليل افريقي .. نيروبي تحت أنوار خافتة
المنعطف الخطر للذكاء السوبر: «راي برادبوري»
حرب الإبادة المستعادة على إيران
أيها السوريون: لا تجدعوا أنوفكم نكاية بوجوهكم!
مقتل الأردني محمد الحشايشة في شيكاغو .. تفاصيل اللحظات الأخيرة داخل متجره
الجامعات والكليات الخاصة .. بين الاستثمار التعليمي والاستقرار الوظيفي
بين دفء الظهيرة وبرودة الليل .. تحذيرات صحية من طقس هذه الأيام
البرلمان العربي يستنكر اقتحامات الأقصى ويحذر من مخططات التقسيم
احتفال بالاستقلال .. بوتسوانا تسمح بصيد 23 فيلا
فوائد غير متوقعة: لماذا ينصح الأطباء بممارسة المشي إلى الخلف؟
حشد 100 ألف جندي .. السعودية تجهز ضربة عسكرية واسعة للحوثيين
وقائع مروعة تهز الأردن .. تفاصيل تقشعر لها الأبدان
متى يصل أول منخفض جوي إلى الأردن؟ أحدث الخرائط تكشف ما ينتظر المملكة
القوات المسلحة تفتح باب الانتساب والشروط للذكور .. رابط
من هو مساعد طيار فلاي دبي؟ القصة الكاملة من حادثة الطعن الى الهبوط
السوسنة تتتبع نزاع «بن العميد» في الأردن والكويت .. القصة الكاملة
مزاعم بضرب الأردن من إيران .. وطهران تنفي
وسم 2030 بلا نقاب يشعل الجدل .. ما القصة ومن أطلق الحملة
إرادة ملكية وتغييرات إدارية موسعة في التربية والضرائب .. تفاصيل
25% دفعة أولى تعني إعفاءً كاملا من الفائدة .. الضمان يعلن تفاصيل القرار الجديد
هآرتس: وثيقة إسرائيلية تصنف مصر والأردن "عدوتان"
طالب يعتدي على معلم بالمنشار بعد ملاحقته إلى المسجد في الزرقاء
الأردنيون أمام تسعيرة جديدة للذهب .. كم بلغ عيار 21
أسعار المحروقات في الأردن .. رفع محتمل بعد ارتفاع الكلف عالميا
السعودية تكشف تفاصيل جديدة عن حادثة فلاي دبي .. ماذا حدث لمساعد الطيار؟
تحذير للأردنيين .. غرامة تصل لـ3 آلاف دينار وإغلاق المنشأة لمرتكب هذه المخالفة

