الأردن اقتصاديا، ما السبب، وما هو الممكن القيام به؟

mainThumb

26-05-2023 03:11 AM

توالت في السنوات الأخيرة، تصريحات مسؤولين عن سير الاقتصاد الأردني نحو المجهول، أو تصريحات من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي تحذر بتعرض الأردنيين لصدمات بفعل ارتفاع نسب الفقر، والمتأمل في هذه التحذيرات يجد أنها في تزايد سواء من المسؤولين أو المنظمات لدولية، فما الذي يحصل للأردن وهل امام الأردن اقتصاديا شيء يمكنه القيام به؟
في الحقيقة لا يوجد سبب رئيسي لتراجع الأردن اقتصاديا، انما هناك مجموعة أسباب تداخلت في السنوات الأخيرة وأوصلت الأردن الى ما هو عليه الآن، وقد يعزى السبب الأول الى أنه من يدير البلاد حكومات تصريف أعمال عاجزة عن اتخاذ قرارات ضرورية، حكومات غير قادرة على فهم المعطيات الأردنية وغير قادرة على تقديم حلول من رحم الواقع، تفضل أن ترتمي في أحضان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتختار الحل الأسهل وهو رفع الضرائب المباشرة وغير المباشرة على المواطنين لسد العجز في الموازنة، مما زاد الأعباء وأثقل كاهل الأردنيين وعمق نسب الفقر بشكل واضح.
السبب الثاني الذي أدى الى تراجع الأردن اقتصاديا، يمكن أن يعزى الى ارتفاع أسعار الطاقة، والذي أثر ليس فقط على القدرة على الانفاق لدى المواطنين وتآكل رواتبهم وثرواتهم، انما أيضا أثر بشكل سلبي على حجم الاستثمار المحلي والأجنبي في الأردن نتيجة ارتفاع تكاليف عناصر الإنتاج، بالتالي، انخفاض الانفاق الاستهلاكي في الأردن أثر بشكل سلبي على حجم الطلب الكلي والذي بدورة عزز الركود من جهة، وهروب المستثمرين والاستثمارات نحو الخارج الى الدول المجاورة للبحث عن أسعار طاقة أقل أدى الى زيادة نسب الفقر والبطالة في الأردن.
أما السبب الثالث فيتعلق في البنك المركزي الأردني وسياساته النقدية المتشددة، ففي ظل زيادة الفيدرالي الأمريكي لمعدلات الفائدة، اتبع البنك المركزي الأردني نفس تلك السياسة النقدية التشددية بنفس الوتيرة نسبيا، ليحافظ على عدم تدفق الأموال الساخنة خارج الأردن، ولكن بالنظر الى حجم الاستثمارات الأجنبية في الأردن فهي من الدول الأقل عربيا من الاستثمار الاجنبي، ومعدلات الفائدة في الأردن هي بالأصل مرتفعة نسبيا أو أنها ليست صفرية كما في أمريكا، وبالتالي رفع معدلات الفائدة على اقتصاد مثل الأردن أدى الى الضغط على المواطنين، وتآكل القوة الشرائية لديهم، وزيادة تكلفة التمويل على الشركات، ما أدى بالنهاية الى شل الحركة الاقتصادية داخل الأردن.
أما السبب الرابع فيتعلق في الظروف العالمية والإقليمية وما نتج عنها من ثورات وجائحة كورونا وحرب روسية اوكرانية، وتعطل سلاسل التوريد، أدت الى زيادة ارتفاع الأسعار عالميا ومحليا، والأردن بلد مستود أكثر مما هو مصدر، وبالتالي تزايدت معدلات التضخم وأنعكس ذلك على زيادة الأسعار على جميع المستويات بشكل واضح وكبير.
بعد سرد أسباب تعرقل الأردن اقتصاديا، وتزايد التضخم وتعمق الفقر والبطالة، هل ما زال أمام الأردنيين شيء يمكنهم القيام به، بالتأكيد نعم، في حال حاولنا إعادة النظر في الأسباب التي أدت الى انخفاض نسب النمو في الأردن، ووجود الإرادة الحقيقية للخروج من هذا النفق المظلم اقتصاديا.
.
الممكن الأول يقع على عاتق من يدير البلاد والممثلة بالحكومة بأن تكون جريئة في اتخاذ قرارات ضرورية، حكومة تكون قادرة على فهم المعطيات الموجودة في الأردن، وقادرة على النزول الى الشارع، لتقديم حلول من رحم الواقع، والحلول كثيرة إذا أرادت، أما الممكن الثاني فيتمثل في الإسراع بتسعير أسعار الطاقة بطريقة شفافة بعيدة عن التعقيد، تخدم الوطن والمواطن وتخدم المستثمر أيضا، بمعنى أن تحافظ على إيرادات الدولة من الطاقة بشكل مقبول، وبنفس الوقت لا ترهق المواطن بتسعير أسعار الطاقة بأسعار مقبولة نسبيا، وبنفس الوقت تأخذ بعين الاعتبار تكاليف الاستثمار بتخفيض تكاليف الطاقة والانتاج
أما الممكن الثالث فهو مسؤولية البنك المركزي الأردني، فلا يوجد هناك مبرر لرفع معدلات الفائدة بنفس النسبة التي كان يرفعها الفيدرالي الأمريكي، وذلك لأن معدلات الفائدة في الأردن هي بالأصل أكثر من معدلات الفائدة في أمريكا، بالإضافة الى أنه لا يوجد هناك خوف من تدفق الأموال الساخنة من الأردن نحو الخارج، وذلك لعدم وجود استثمارات اجنبية كبيرة مقارنة مع الدول الأخرى مثل الامارات والسعودية وقطر ودول عربية أخرى، عدا أن الدينار الأردني مربوط بالدولار الأمريكي، وبالتالي الدينار الأردني يعتبر مستقر نسبيا.
ما زال أما الأردن والأردنيين فرصة لتدارك بعض الأخطاء الاقتصادية التي حصلت، ونحن لا ننكر أن الأردن اقتصاديا ما زال صامد أمام التحديات، وقادر على مواجهة الظروف والتهديدات، سواء على مستوى القطاع المصرفي المتين والمرن، أو الدينار الأردني المستقر والمربوط بالدولار، الا أننا لا نستطيع أن ننكر أيضا ارتفاع مستويات الفقر والبطالة والتضخم وتدني معدلات النمو الذي يعاني منها الأردن وخاصة في السنوات الأخيرة.