الأردن بينَ فكّيْ إيران وإسرائيل .. وأسرار السابع من أكتوبر

mainThumb
صورة تعبيرية، رفع علم إيران في المناطق السورية

18-01-2024 12:14 AM

بعدَ مُرورِ أكثر من مئةِ يومٍ على العدوان الصهيونيِّ على قطاع غزة، يتساءل كثيرٌ من الناس عن كيفيّة نهاية الحرب، وماذا سيحدث تالياً؟ وكيف ستنتهي، ومدى احتمالية توسعها..؟. وقبل البدء بهذه المقالة التحليليّة المتواضعة، علينا التأكيد على أنّ ما يجري في غزة هو عدوانٌ وَحشي، وأنّنا مع الشعب الفلسطيني في مقاومته للاحتلال حتّى نيل حقوقه على ترابه الوطنيّ.

بدايةً، علينا أنْ نتذكّر ما وقع في سوريا من حربٍ ضَروس، وما خلَّفَتْه من دمار على صعيد الإنسان والأوطان، مسجِّلةً أرقامًا مروعة في القتلى، فاقت عدد الشهداء الفلسطينيين والعرب منذ النكبة عام 1948، حيثُ فاق عددهم مئة ألف شهيد وفق الجهاز المركزيّ الفلسطينيّ للإحصاء، (غير شامل أعداد الشهداء في الحرب الأخيرة الجارية في غزة حتّى الآن).

خلال 12 عامًا من الحرب السّوريّة، قُتِلَ أكثر من نصف مليون إنسان وِفْقَ المرصد السوريّ، وشُرّد أكثر من خمسة ملايين مواطن من بلادهم، حسب أعداد المُسجَّلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في حين أنّ العدد الفعليّ يفوقُ، وفقَ التقديرات، الرّقمَ الرسميّ بكثير.

ما وقع، وما يزالُ يقعُ، في سوريا هو حمّامُ دمٍ مأساويّ وظالم، ارتُكِبَ بحقّ الشعب السوري، شارك فيه الحرس الثوريّ الإيرانيّ وحزب الله ((الشيعيّ)) اللبنانيّ، والميليشيات التابعة له، الذين ارتكبوا المذابح الموثقة في مقاطع فيديو بثت تباعاً، ولن تُنسى من الذاكرة الإنسانية الحَيّة.

وعليه، واستغلالًا للتدهور الأمنيّ والسياسيّ في العراق وسوريا، وطبعًا اليمن ولبنان، استطاعتْ ايرانُ أن تتمدّد، وتخلُقَ أذرُعَا ضاربة من الميليشيات المسلحة، التي تأتَمِرُ بأمرها وتحقق مصالحها، في الأرض العربية، مستبيحة الأوطان العربية، سَعياً لتصدير «ثورتها» وتوسيعِ نفوذها.

في الفترة الأخيرة، أصبح الجنوبُ السوريُّ، المُتاخم للشمالِ الأردني، كاملًا تحتَ سيطرة الحرس الثوري الإيرانيّ وبشكلٍ مباشر، وبدأ يجنِّدُ الكثير من شبّان المناطقِ الجنوبية في ميليشياتٍ خاصة برواتِبَ مغرية، وكلُّ مَن يرفض يسلِّمُهُ للجيش السوريّ للاستفادة منه في الخدمة العسكرية، والمهمّة الرئيسية لهذا التواجد السيطرة على طرق تجارة المخدرات، وتوسيع النفوذِ العسكريّ جنوباً، وهو ما يُعَدُّ تهديداً صارخاً للأمن الأردنيّ، خاصة مُدُنِنا الشمالية من أيّ عبث مستقبليِّ لا قَدَّرَ الله.

برزَ، في الثلث الأخير من العام الماضي، الحديثُ عن التدخّل الأميركي لإنهاء التواجُدِ الإيراني في العراق وسوريا واليمن، وأصبَحَ التدخُّلُ قابَ قوسين أو أدنى، والذي أجّل أو «خربَطَ السيناريو»، هي عمليّةُ السابع من أكتوبر التي نفذتها كتائب الشهيد عز الدين القسام، نحو مستوطنات غلافِ غزة.

إذن، لماذا الآن هذا التدخّل الفلسطيني؟ وهل تمّ بالتنسيق مع إيران لتخفيف الضغطِ الأميركي والغربي عليها؟، هل تم الترتيب بين حماس وحزب الله على شنّ حربٍ مُتزامنة على «إسرائيل» بذات التوقيت والأسلوب؟ هل قدَّمت إيرانُ، حركةَ حماس، كبشَ فداءٍ لمُشاغَلَةِ أعدائها عنها ولو مَرحلياً؟

لو اطّلعنا على تصنيفِ الميليشياتِ التابعةِ لإيرانَ في المنطقة حسب الأهمية، فتحتلُّ الميليشياتُ الإيرانيّةُ «الفارسية» المرتبة الأولى، والميليشيات الشيعيّةُ «العربيّة» العراقيةُ ثانياً، وحزبُ اللهِ ثالثاً، وجماعةُ الحوثي رابعاً، وفي ذيل القائمة الحركاتُ السُّنيّةُ المدعومة منها مثلَ حماس والجهاد الإسلاميّ.ويبدو أنّ إيران بدأت تستخدم هذه الميليشيات لتحقيق أغراضِها السياسيّة والعسكرية وفق أهميَّتها، وبدأت بالجماعات السُّنية العربيّة، الأقل أهميةً، ولو أنّ استخدامها تم من خلالِ خِداعها وهو أمرٌ غيرُ مؤكد، ولكنه يبقى «احتمالًا».

ونتساءل هنا حول ما وقَعَ في السابع من أكتوبر، وما حقّقته المقاومة الفلسطينية من إنجاز كبير، إلا أنه لم يدم طويلاً، صحيح أن المقاومة الفلسطينية ليست جيشاً نظامياً، لكن لماذا لم تبق في مستوطنات غلاف غزة، وتنقل المعركة إليها ولا تجعلها في غزة ولو مَرحلياً، لماذا انسحَبَتْ فَوراً رغم الإنجاز العسكريّ الكبير؟. من الواضح، افتراضياً، أنّ المقاومة الفلسطينية تلقت الصدمة الأولى من وكلاء إيران في المنطقة وأقصد هنا حزب الله، الذي كان يُفتَرَضُ أن يفتحَ الجبهة الشمالية بذات التوقيت، إلا أنه لم يفعل وخذل المقاومة الفلسطينية وتركها وحيدةً، التي قرّرت الانسحابَ وأخذت ما تستطيع من أسرى حتى لو كان من العجائز المصابين بالزهايمر ومن الأطفال والنساء وهو ما شاهَدْناه ولا ندعيه..!

الصدمةُ الثانية التي راهنت عليها المقاومة الفلسطينية في وقف العدوان الوحشيّ على قطاع غزة ووقف جرائم الإبادة الجماعية، هي عدم اكتراثِ «إسرائيل» الفعليّ بالأسرى في هذه الحرب على عكس ما كانت عليه في السابق، فهي مَضَتْ قُدُماً بحربِها الوحشية المدمرة دون اهتمامٍ لحياةِ الأسرى، وهو ما شاهدناه في مقاطع الفيديو التي وثقت قتلهم بالقصف الاسرائيلي العشوائي، وبدأت تستخدمها المقاومة الفلسطينية في سبيل الضغط على حكومة نتنياهو، وتأجيج الرأي الصهيونيّ الداخلي؛ سعياً لوقف الحرب وإنقاذ الأسرى.

واضحٌ أنّ إيران، استطاعت أنْ تشغَلَ أعداءها وتوقف مخططاتِهِم ولو مرحلياً، بالمقاومة الفلسطينيّة التي تواجه حرباً كبيرة وغير مسبوقة منذ النكبة عام 1948، لتجد نفسَها وحيدةً تقارع العالم دون هوادةٍ مُسطِّرة بدماء الشهداء ملاحم العزِّ والشَّرف التي سيخلدها التاريخ، رغم الخذلان الذي تعرّضوا له ممن اعتَقَدوا أنّه حليفٌ، إلا أنّ مَن قتل أكثر من نصفِ مليون سوريّ سنيّ لن يأبه بدماءِ الشعبِ الفلسطينيّ، وعلينا أنْ نتذكّرَ ذلكَ دوماً.

نعود، إلى تواجد الحرس الثوريّ الإيراني على حدودنا الشمالية، ونذكِّرَ بالحشود ((الشيعية)) التي تجمعت على حدودنا الشرقيّة؛ بُغيَةَ فتح الحدود بقصد استباحةِ الساحةِ الأردنية لتحرير فلسطين وفق الشعارات المُعلنة، ونتساءل ماذا سيحدث بعد انتهاء إسرائيل من حربها في غزة، وماذا سيفعل الحرس الثوري الإيرانيّ في الجنوب السوريّ.. وكيف سيردَّ في حالِ مهاجمته؟ وهل سيبقى هادئاً منتظراً استئصاله..؟!.

وعلينا أنْ نقرأ جيداً العمليات العسكرية الإيرانية التي وقعت ضدَّ أهداف في العراق وسوريا وباكستان، الإثنين والثلاثاء الماضيين، وهي مؤشرٌ خطير على تجاوُزِ إيرانَ الخطوط الحمراء في الضربِ في المنطقة، وفي قلب دولٍ ذاتِ سيادة، فهل سنكون في أمانٍ من هذا التمدُّدِ ((الشيعيّ)) الخطير في شمالنا، وكيف سنحمي مُدُننا في الشمال من هذا الخطر، وهل نحن في أمان أيضًا من أنْ تقوم إسرائيل في ذاتِ الوقت من عمليات تهجير لسكانِ الضفة إلى الأردن... ونواجه الخطرينِ معاً في ذاتِ الوقت..؟؟!

المرحلةُ المقبلةُ صعبة جداً، وبحاجةٍ إلى استعدادٍ وتـأهب، فالبلادُ مُحاطةٌ بقوى شرٍّ من مختلَفِ الجهات، وأَعْيُنُها على العبثِ بالأمن الداخلي، وانا على يقينٍ بحكمةِ القيادةِ واستشعارِها الخطر، وهو ما يستدعي ضرورةَ التكاتُفِ ورصَّ الصفوفِ خلف القيادةِ الهاشمية في هذا الظّرف الدقيق، الذي يبدو إنْ وقَعَه سيكونُ الظرفَ الأصعب في تاريخ المملكة، وهذا يحتاج إلى رجالٍ رجال.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد