حرب غزة ليست كأي حرب

حرب غزة ليست كأي حرب

14-02-2024 08:35 PM

كثيرون سبقوا واضع هذه المقالة إلى المضمون الوارد في عنوانها. بالطبع، تختلف حروب بني البشر، عن بعضها بعضاً، منذ نشأتها في أدغال الغابات قبل آلاف القرون؛ طلباً للماء والأمن والكلأ، وصولاً إلى ما بدأ في فضاء إبداع خيال السينما والتلفزيون، حاملاً عنوان «حرب النجوم»، وها هو يكاد يصبح إحدى حقائق عصر صراع النفوذ على أسطح كواكب تسبح في فلك المجهول، بعيداً عن غلاف الأرض الجوي. رحى تلك الحرب تدور بالفعل، وإن لم تزل ضمن إطار تنافس سلمي بين كبار ملاك تقنيات علوم الفضاء في العالم. لكن حرب إسرائيل على شعب قطاع غزة، رداً على فزع اعترى شعبها بأكمله، بعد الاختراق الفلسطيني لما يطلق عليه قادتها العسكريون وصف «غلاف غزة»، تختلف حقاً، وليس من قبيل الإنشاء اللغوي فحسب. كثيرة أوجه الاختلاف بين هذه الحرب وما سبقها، بما في ذلك كل الحروب العربية - الإسرائيلية، ولعل في مقدمها - وهذه مفارقة ستكون صادمة إن حصلت - أنها قد تكون حرب وقف مسلسل الدماء الفلسطيني - الإسرائيلي لزمن طويل.

كيف ذلك؟ أفترض ثمة مَن يجهر باعتراض يثير السؤال المندهش. بيد أن الجواب موجود في التعايش الذي تمخض عن نهايات الحروب الكبرى كافة، وليس فقط الحرب العالمية الأولى، ثم الثانية. معروف القول الذي قيل وتردد مراراً من قبل، وخلاصته أن السلام ينشأ بين أعداء أرهقتهم دوامات القتال. ذلك مبدأ صحيح تماماً، وهو يصح حتى بين أقوام احتربوا أزماناً طالت رغم أن الخصومات بينهم ليست تاريخية، ولا هي عقائدية، على النحو القائم في الحالتين الفلسطينية - العربية، والإسرائيلية. فنهوض بنيان السلم، مثلاً، بين قبائل وعشائر متصارعة في أفريقيا، طوال القرنين الثامن والتاسع عشر، ثم امتداداً القرن الماضي، لم يكن ممكناً إلا بعد الانخراط في حروب أزهقت ملايين الأرواح بين مختلف أطرافها، حتى أرهقت الجميع. إنها إحدى مفارقات الحياة ذاتها؛ اشتراط وجود عداوة تسبق فتح طريق صداقة تعمر لاحقاً، مثلما أن الخصومات عمّرت طويلاً من قبلها.

لكن ذلك وجه عام من أوجه اختلاف حرب إسرائيل الضروس الحالية على قطاع غزة، أما الأوجه التي تميزها عن سابقاتها فهي ساطعة للناس أجمعين في العالم كله. سطوع حقيقة أن إسرائيل تمارس نوعاً من الإبادة الجماعية، دفع عدداً من أشد العواصم تحالفاً مع تل أبيب إلى محاولة النأي عن أي إقرار لتلك الممارسات. ضمن هذا السياق، يمكن القول إن استباق المجازر المتوقعة ضد جموع المدنيين العزل في رفح، برفع أصوات التحذير من مغبتها في واشنطن وباريس ولندن، وغيرها من العواصم الدولية، يشكل محاولة من جانب الذين حذّروا كي يغسلوا أيديهم من أي مسؤولية تاريخية مستقبلاً. لكن تلك المحاولات تفتقر إلى الجدية، وتخلو من أي عزم صادق على ردع آلة إسرائيل الهمجية، ولو بالقوة. نعم، كما استخدم حلف «الناتو» القوة لوقف وحشية صربيا العسكرية في البوسنة والهرسك، ثم أجبر كلاً من رادوفان كاراديتش، وراتكو ميلاديتش، الصربيين، على المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية، يستطيع الحلف نفسه إشعار بنيامين نتنياهو، وشركائه في حكومة حربه، أنهم يواجهون احتمال المصير ذاته أيضاً، فهل يمكن توقع موقف كهذا؟

الأرجح أن الإجابة هي كلا. من الصعب تخيل أن دول «الناتو» سوف تتخلى عن إسرائيل على هذا النحو. مع ذلك، يجوز افتراض أن زعامات الغرب قد تضطر إلى اتخاذ مواقف أكثر حزماً في حال إصرار نتنياهو على دفع الغزيين نحو اجتياز الحدود بين رفح وسيناء. إذا حصل تطور كهذا، فربما يكون فات الأوان، وليس من مفر، حينها، من فتح أبواب جحيم الحرب الأكبر على مصاريعها.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

منع مواطن من السلام على العيسوي .. وما فعله رئيس الديوان يشعل التفاعل

بعد انتشار فيديو مؤثر لها .. آخر تطورات قضية نور برغل

122 موقعاً مزيفاً تنتحل مؤسسات أردنية .. تقرير رسمي يكشف أخطر أبواب الاختراق

موجة حر قوية تضرب المنطقة بحرارة تلامس 50 مئوية .. ماذا عن الأردن؟

نتائج التوجيهي 2026 في الأردن اليوم .. رابط الاستعلام الرسمي

احتراق 3206 مركبات في الأردن خلال عامين

الحيصة: أراضي مشروع سكة العقبة ستسجل باسم خزينة الدولة

التربية تحدد موعد إعلان نتائج التوجيهي

الأمن السيبراني يحذر من رسائل واتساب احتيالية باسم الضمان الاجتماعي

اسرار تكشف لاول مرة .. لماذا انسحبت ياسمين صبري من مسلسل الشادر

الأردن يستقبل 3.15 مليون زائر ويحقق 2.47 مليار دينار دخلاً سياحياً

الأردنيون يترقبون عطلة رسمية في آب

مقتل مدنيين وعسكرين بهجمات للحوثيين في اليمن

بعد تصدر الترند .. رحلة لجين خليفة من الطب الى الرقص

مفاجأة منة شلبي واحمد الجنايني تشعل مواقع التواصل