الخيال والواقع والمستقبل

mainThumb

28-02-2024 12:41 AM

لقد فاقَ الخيالَ ما يجري في غزّة. هذه الجرائم الوحشية التي استهدفت آدمية الإنسان، عجزت عن تخيلها أفلام الرعب الهوليودية، فهؤلاء الذين تجمعوا من بولونيا وأوكرانيا ورسيا وغيرها، أبدعوا في إجرامهم وسبقوا الخيال الإنسانيّ، فهم مجرمون خارقون وليسوا بشرًا..!!.

مجلس الحرب المتطرف، عندما يقف أمام عدسات الكاميرا بممثليه الثلاثيّ المتطرف: نتنياهو، غانتس، غالانت، ويتحدثون عن بطولاتهم في غزة، ينسون أنهم قد ذبحوا عشرات الآلاف وارتكبوا المجازر، أو أنّهم لا يكترثون لآدمية الانسان هناك، فهم حسب وصفهم لهم بأنهم «حيوانات» على هيئة بشر، ويسيرون وفق معتقدات توراتية منذ آلاف السنين، إذْ لم تفلح إنسانيّة الإنسان والقيم الديمقراطية الحديثة أن تطوّرهم، فهم يصرون على أنهم «مجرموا الماضي الأسود» الذي لا يقبل الآخر، ولا يرى نفسه إلّا سيدًا متحضّرًا يجيزُ القتلَ ويحترفه.

الجيل الحالي من الشباب العربيّ، لم يواكب مذابح التهجير الأول سنةَ 1948، ومجازر التهجير الثاني سنة 1967، إذْ غابت هذه المذابحُ عن التغطية الإعلامية والتوثيق الحقيقيّ لإجرام هؤلاء «الحثالة» الذي حضروا إلى فلسطين من أوروبا وغيرها، ودخلوها كلاجئينَ أولًا، فالجيلُ اكتفى بما قرأ وشاهد من توثيق، ولم يعش الصدمة الحقيقية، ولكن اليوم يخرج قادة «الاحتلال» ليقولوا لكلّ الجيل العربي الحالي من المحيط إلى الخليج، بل للعالم أجمع أنّ هذه هي حقيقة «اسرائيل» كما تشاهدونها على شاشات التلفزة ومقاطع الفيديو في التطبيقات الذكية التي تتناقل الحدث لحظة وقوعه في بث مباشر وصادق، ليس كما وقع في 1948 و1967.

هذه الصورة الدموية البشعة، تفوق قدرة البشر على التصور، فالخيال الإنساني عجز أن يتخيل أن يقوم إنسان مثلًا بإلقاء قنبلة شديدة الانفجار على مستشفى ويقتل أكثر من 500 إنسانٍ آخر في دقائق، أو يلقيها على مجمع سكنيّ ويبيد كل من فيه، أو أنْ يلقيها على مدرسة أو تجمعٍ للاجئين الفارّين من القصف، ولا يتخيل العقل الإنسانيُّ انْ تكون هذه القنابل مُهداةً من الولايات المتحدة الأميركية التي تتغنى بحقوق الإنسان والديمقراطية، وتعبر «كذبًا» عن حزنها لسقوط مدنيين، هذا بعدَ أنْ «تُشكّكَ» في أعدادِهم...!!.

الواقع اليوم، مؤلمٌ وشديد الخطورة، وكما قلنا في مقال سابق، فإنّنا على أبواب التهجير الثالث نحو شبه جزيرة سيناء المصرية، فقد أوغلت هذه الفئة في قتل الإنسان والحياة في قطاع غزة، وأصبح المواطن الفلسطيني في القطاع يبحث عن لقمة خبز تبقيه حيًا، فغريزة البقاء لا تقاوَم، وحبُّ الحياة غريزي، وعند فتح الحدود ستكون الموجة الأولى مُفزعة، ولكن لن تكون مفاجئة لنا، فهي تسير وفق ما هو مخطط لها من هذه «الحثالة» التي يصمت عنها المجتمع الدوليّ.

أما المستقبل، فمهما حقق هذا الاحتِلال من نصر، فلنْ يعطيه ذلكَ الشرعيةَ ولن يمنحه البقاءَ في المنطقة العربية، فهو وإنْ استطاعَ أنْ يسيطر على الأرضِ مرحلياً، فلن يندمج في المنطقة، ولن ينسى الإنسان الفلسطينيّ ذبح أبنائه وأسرته بدم بارد ولن ينسى أرضَه، ولن ينسى المسيحيُّ ولا المسلم مقدساتهم التاريخيّة. لأجلِ ذلكَ كله وغيره فإنّ زوال هذا الكيان حتميٌّ، ولن ينعم بالأمن، وسنرى، أصحابَ الأرض، يعودون رغم أنوفهم من جديد. ستتغير المعادلات الدولية وموازين القوى في الكرةِ الأرضيّة، وسيزولُ هذا الاحتلال، وإنّ هذا حتميٌ، وإنّها سُنة الله في الأرض.






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد