الوليد الشهيد

الوليد الشهيد

15-04-2024 11:48 PM

وأخيراً اندمج الاسمان فصار الوليد شهيداً والشهيد وليداً. كأن وليد دقة ولد ليموت في السجن مع الأسرى الذين احتضن حكاياتهم وحولها إلى أفكار ومفاهيم، جاعلاً منها دستور حياة للذين طردوا خارج الحياة، فاستنبط مفهوم «الوعي الموازي» كي يخرق مساحة جديدة للنضال الفلسطيني، فالسجن لا يقل أهمية عن أية ساحة أخرى يدور فيها النضال من أجل الحرية والتحرر.
عرفنا وليد دقة من خلال كتاباته، وانضم إلى مجلس تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية مشكوراً، فأخذت الدراسات بعداً جديداً وصارت تضيء للكلمات التي تشع من باطن الأرض.
عبد الرحيم الشيخ أمسكنا من يدنا وأخذنا إلى هذا الشاب الذي لم يكتهل في السجن، بل ازداد شباباً كأنه كان يسترجع الحياة من أولها. من الطفولة في «سر الزيت» إلى «الشهداء يعودون إلى رام الله» صارخاً في وجه الاحتلال وفي وجه الطغيان بأن قضية فلسطين أكبر من الموت، وأنها قادرة على أن تعيد النار إلى جسد عربي يكاد يتلاشى.
نولد من نطفة تضيئها الحياة فتضيء لنا الحياة أيضاً. هكذا أرى ولادتك يا صديقي. ولدت كي تستشهد، لكنك استشهدت كي تولد وتبدأ سيرة جديدة ملونة بالحياة وملونة بالأفكار وملونة بالحب.
الولادة هي شكل من أشكال الموت، لكنها قمة الحياة أيضاً، بها تضاء الحياة، وها أنت قد أضأتها لنا ثلاث مرات: ضوء يوم ولدت، وضوء يوم مت، وضوء يوم بعثت شهيداً، فقدتنا معك إلى زمنك الموازي، كي يكون الزمن الموازي هو زمن الشهداء وليس زمن الأسرى.
لم يكن الموت متوقعاً، لكنه دائماً هكذا، وخصوصاً إذا وقعت بين يدي جلادين لا يرحمون الحياة ويعبدون الموت. نحن لا نطلب رحمتهم لنا، بل نطلب أن يكون لديهم حس صغير بأن الحياة تستحق أن نتوقف عندها وأن نمسك بها وأن ندافع عنها.
كتب أرابال المسرحي الفرنسي الكبير نصاً بعنوان «يحيا الموت»، وكان نصه مرعباً، لكنه لا يقارن بنصوص الصهاينة التي يحفرونها في أرض غزة وأجساد أطفالها.
نحن في لعبة الموت الكبرى، لكننا في لعبة الحياة أيضاً. والحياة دائماً أقوى من الموت وأقوى منا جميعاً.
ميلاد، ابنتك الحبيبة الجميلة هي ابنة نطفة مهربة، لكن ما فات أعداءنا أن كل أطفال فلسطين هم نطف مهربة من الموت. هربنا من الموت لنصنع الحياة لا لكي نحتفي بالموت.
فلنحتفِ اليوم بحياتك وأفكارك ومساهماتك الفكرية، ولا نحتفي بغيابك الأبدي. أنت يا وليد، لم تغب لكنك قررت أن تحتجب وأن تدخل في السر الذي كتبته لنا. أنت حامل أسرار فلسطين، لأنك حامل أسرار أطفالها وحامل تراثها ولغتها.
كيف عرفت أن لفلسطين ثلاثة أسرار: «سر الزيت» و»سر الطيف» و»سر الشهداء»، ومن أعطاك مفاتيحها كلها. كل المفاتيح معك، ومفتاح سرنا وزيتنا المبارك الذي قدسناه بدمنا. هذا الزيت الذي يضرب عميقاً في أرض الزيتون هو روحنا. أنت التقطت الروح ووزعتها على الأطفال. كيف عرفت أن الأطفال ينتظرون الروح على شكل زيت نُدهن به فنختفي ونمسحه فنظهر من جديد ونحتل الأرض التي هي بانتظارنا منذ أكثر من سبعين سنة.
الأرض تنتظرنا، لذا كتبت بلغة الأرض. لم تُحدّث اللغة، بل كتبت بلغة الفلاحين. لم تغير الكلمات، بل كتبت بكلمات الفقراء.
كتبت يا أخي كثيراً عن الثلاجات التي يوضع فيها الشهداء كي لا يدفنوا في الأرض، وكنت دائماً تذكرنا بـ «علي»، الشهيد الذي كان في إحدى ثلاجات الاحتلال، وعندما أطلق سراحه في شهر آب، شعرت أخته بالبرد كأن كل البرد الذي تجمع في جسده انتقل إليها. نحن يا أخي، نشعر بالبرد ونشعر أنه لا يوجد من يدفئنا سوى الكلمات، لذا نستعيد كلماتك ونتدفأ بها وبإيقاع صوتك وبقوة الإرادة التي تخرج منك حتى وأنت في إحدى ثلاجات الاحتلال.
يا للقسوة! بدل أن نرثي شهداءنا، نرثي أنفسنا. وبدل أن نخاف عليهم نخاف على أرواحنا من هذا الوحش المعدني الذي تسلط على أرضنا مدعوماً ببركة العالم الغربي كي يزيلنا عن الخريطة. نحن الخريطة. أجسادنا علاماتها وعيوننا ضوؤها، ولا توجد خريطة من دون هذه البقعة الصغيرة من الأرض التي اختزنت كل الألم وكل الأسى.
في الخامس من نيسان/أبريل، احتفلنا بعيد الطفل الفلسطيني، فجاء موتك تتويجاً لهذا الاحتفال.
هل احتفلنا بالحياة أم احتفلنا بالموت أم احتفلنا بامتزاجهما وغموض ملامحهما على أرضنا؟
تعلمنا منك ومعك أن الاحتفال يجب أن يكون بالحياة. فهات يدك لنمش معاً باتجاه الضوء، ضوء العيون وهي مغمضة. إليك ولعينيك المغمضتين قبلة ودمعة وضمة.

 

(القدس العربي)



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

أكسيوس: ترامب يدرس بجدية شن ضربات جديدة على إيران

الجيش الإسرائيلي ينذر بإخلاء مبنيين في منطقة صور بجنوب لبنان

النفط يرتفع وسط شكوك في إحراز تقدم بمحادثات واشنطن وطهران

أتال يعلن خوضه الانتخابات الرئاسية الفرنسية العام المقبل

تشديد إغلاق مضيق هرمز يعمق معاناة البحارة العالقين

استقالة مديرة المخابرات الوطنية الأميركية

الحلف الأطلسي يدرس خيارات لإعادة بعثته إلى العراق

الشرطة البرازيلية تصادر قمصانا وملصقات مزيفة لكأس العالم

الأردن: لا سيادة لإسرائيل على المسجد الأقصى

كيفن وارش يؤدي اليمين الدستورية رئيسا للاحتياطي الفدرالي

بنما تجدد دعمها لمغربية الصحراء ومخطط الحكم الذاتي المغربي

مثقفون وأكاديميون يناقشون استقلال الأردن ودوره في تشكيل الذاكرة الوطنية

وصول قائد الجيش الباكستاني إلى طهران لإجراء محادثات

نقابة الألبسة: المنافسة تحافظ على استقرار الأسعار

متحف السيارات الملكي يُسيّر موكبا يجوب عمان احتفاءً بعيد الاستقلال

تصريح الأميرة رحمة عن “أني أولادي من إربد” يشعل التفاعل ويحقق انتشاراً واسعاً .. شاهد الفيديو

الأردنيون العائدون من الكونغو وأوغندا يخضعون لحجر 21 يوما

أسعار الأضاحي ترتفع والروماني يتجاوز البلدي لأول مرة

مع الزيادة السنوية .. موعد صرف رواتب متقاعدي الضمان

تحذير للأردنيين من صور وفيديوهات تهدف إلى ابتزازهم

لاول مرة دينا تفضح كواليس زيجاتها وتعلن الحياة اجمل بدون رجل

توحيد ودمج المؤسسة الاستهلاكية المدنية بالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية

بعد انتشار إيبولا .. مهم بشأن إدخال العاملات للمملكة

بيان من هيئة النزاهة حول تصريحات النائب العماوي

سعر الذهب محلياً الجمعة

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً السبت

إعلان النتائج النهائية لانتخابات حركة فتح اليوم

عرض مسرحي تربوي في ماركا يدعم التعليم الدامج وتمكين الطلبة

أميركا : استنفار أمني عقب مجزرة بمركز إسلامي .. تفاصيل

إعلان نتائج انتخابات اتحاد طلبة الجامعة الأردنية (أسماء)