محمد المكي إبراهيم: رحيل هرم سوداني

محمد المكي إبراهيم: رحيل هرم سوداني

05-10-2024 09:21 PM


أغمض الشاعر السوداني الكبير محمد المكي إبراهيم عينيه، وراح في غفوته الأخيرة، واحتضنته إحدى مقابر القاهرة في بداية الأسبوع الماضي. برحيله انطوت صفحة حافلة بالشعر والأدب والفكر والدبلوماسية، وغاب إنسان عاش إنسانيته بكل اللطف، والرقة والتهذيب المُمكنَيْن في دنيا تخاصم اللطف والتهذيب.

محمد المكي إبراهيم من شعراء الستينات، لمع اسمه وهو طالب في جامعة الخرطوم، ارتبط اسمه بالجامعة وبثورة أكتوبر (تشرين الأول) الشعبية التي أطاحت بأول نظام عسكري في تاريخ السودان. كان شاعر الثورة وحاديها الأول، وموثق أحداثها، كتب عدداً من القصائد التي حُفرت عميقاً في ذاكرة الشعب السوداني ولا تزال، من النشيد الأول للطلبة، إلى «أكتوبر الأخضر» التي غناها فنان السودان محمد وردي، إلى «الأربعاء الرائعة»، وقصيدته للشهيد القرشي، و«إنني أؤمن بالشعب حبيبي وأبي».

كتب محمد المكي إبراهيم الدستور الثوري لذلك الجيل بقصائده الأكتوبرية، ثم فاجأ الناس بديوانه الأول «أمتي: الوعي والحلم والغضب» فكان فتحاً شعرياً جديداً، ليس على مستوى السودان، لكن على مستوى العالم العربي. عاصر «ود المكي» - كما يسميه السودانيون - بدايات محمود درويش وأمل دنقل، ولم يكن أقل منهما في الشاعرية، ولا الخيال المفتوح على التجارب والمعارف الشعرية، ولا الصور والأخيلة الجديدة والمبتكرة، لكنه لم ينل حظاً من معرفة القراء العرب بشاعريته لأسباب عدة، منها أنه نشر شعره كله داخل السودان، مع محدودية قدرات دور النشر السودانية على الوصول للقارئ العربي، وغياب الحركة النقدية المواكِبة، في ذلك الوقت، ثم عزوفه عن المشارَكة في المهرجانات الشعرية العربية؛ بسبب طبيعة عمله الدبلوماسي المقيد للحركة والظهور. ظلم محمد المكي نفسه، مثلما ظلمناه نحن السودانيين، فلم نحمل شعره للمحافل نبشّر به وبميلاد شاعر كبير.

وكتب المكي الدستور العاطفي لجيل السبعينات بقصيدته الباذخة «إهانات شخصية إلى قيس بن الملوح» التي كتبها في الستينات، واستدعى فيها قصة ابن الملوح من منظور جديد لا يتعاطف معه ولا يأسى لمأساته، بل ينهال عليه باللوم والتقريع لأنه استسلم للحرمان ولم يقاتل دفاعاً عن حبه وحياته، وختمها بإهانات شديدة القسوة «لكل مَن باعوا الشباب وفرّطوا في الحب، وطأطأوا الهامات واعتذروا عن الأيام، أهين لك الرضاء العام».

تفاعل «ود المكي» مع رياح الستينات الثورية، فكتب لهانوي وغيرها، ومجّد حركة الشعوب الحرة التي تتوق للاستقلال والكرامة الوطنية. لكن أجمل ما سطره كانت كتاباته عن وطنه، وهو في مغتربه الألماني، فقد خرج من «سودان الثورة» ممتلئاً بشعبه وبلاده، وصدره مملوء بالآمال الكبيرة دون انحناء أو دونية، ووقف أمام «الخواجات» مباهياً ببلاده وشعبه «رياحكم ماسخة عجوز، في بلدي نعطر الهواء بالمديح، روائح الطعام والضيوف من بيوتنا تفوح»، وحمل الديوان قصائد كثيرة ممتعة، «غنائي لأختي أمان»، و«قطار الغرب»، و«هايدي»، و«عيونهما عليها التوت»... إلخ.

سكت «ود المكي» فترة ثم خرج بديوانه الصغير «بعض الرحيق أنا... والبرتقالة أنتِ»، وليست ثمة كتابة رقيقة وعميقة عن محبة الوطن بكل ما فيه، مثل كتابته في هذه القصيدة التي كانت أيقونة يحفظها كل محب وكاتب للشعر في السبعينات والثمانينات. قطر محمد المكي محبته لبلاده في هذه القصيدة الرئيسية في ديوانه، فنزلت شهداً طيباً في فم المحبين، تبتل في محراب الوطن، وأعطاه قدسيته ورمزيته، وغنى لتنوعه وتعدده ولجوهره الخِلاسِي، لنخيله وأبنوسه. ولم يكن ذلك غريباً على «ود المكي» فهو واحد ممن ابتدروا وأنشأوا مدرسة «الغابة والصحراء» التي حاولت الإجابة عن سؤال الهوية المربك لكثير من السودانيين، وكان من منظريها مع الشعراء والأدباء محمد عبد الحي، والنور عثمان أبكر، ويوسف عايدابي.

كتب محمد المكي إبراهيم بعد ذلك ديوانين صغيرين، هما «يختبئ البستان في الوردة»، والثاني «في خباء العامرية»، وكتب قصائد متفرقة وروايات، بجانب كتابين الأول عن «أصول الفكر السوداني» وآخر عن تجربة مدرسة «الغابة والصحراء». كما عمل دبلوماسياً وتدرج في المناصب حتى مثل بلاده سفيراً في عدد من الدول.

رحل هرم سوداني في زمن موجع، لكنه لم يتركنا من دون أن يودعنا، ويقول كلمته الأخيرة «إنني ذاهب فاهنأوا أيها الظافرون، في الفراغ تجلجل حكمتكم، وتروج حوانيتكم، أنتمو العارفون، أنتمو - ليس غيركم - المؤمنون، فانظروا ماذا فعلتم بنا، وبأنفسكم، والإله الرحيم، إن صقراً عجوزاً مليئاً بحكمته، وغُبَارَات أيامه، يذهب، في نهايات أيامه يتغرب عن حبه الأبدي، ويخرج من غابة الطلح، حيث تنوح القماري، ومن ربع عزة، حيث السعادة أغمق لوناً وأجمل».



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

اجتماع يبحث استعدادات انطلاق مهرجان جرش

عضو بالكنيست الإسرائيلي: منع الأذان محاولة لمحو معلم من الوجود الفلسطيني

صندوق النقد: الأردن يواصل إصلاحات قطاع المياه لتعزيز الأمن المائي

بحث لتطوير المنافذ الحدودية وفق المعايير العالمية

رؤية عمّان لإعادة التدوير تطلق منظومة ذكية لاستقبال شكاوى المواطنين

وزير الزراعة: نتعامل مع آثار التغير المناخي من خلال نهج وطني متكامل

نقل خدمات "ترخيص إربد المسائية" إلى مقرها الدائم

الدفاع التركية: على إسرائيل وقف اعتداءاتها بالمنطقة فورًا

5 قتلى و16 جريحا بانفجار داخل مقهى في دمشق

البنك الدولي: الأردن حافظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي

الخارجية: وفاة 3 أردنيين في حادثي سير منفصلين بالسعودية

الرئيس اللبناني: لن نفرط بأي شبر من أرض لبنان

الرئاسة الفلسطينية تدين مصادقة الكنيست الإسرائيلي على قانون الأذان

الاقتصاد الرقمي والشباب توقعان مذكرة لتطوير محطات المستقبل بالمراكز الشبابية

صعوبة امتحان الرياضيات تثير غضب طلبة التوجيهي في الأردن .. مطالب بمراعاة التصحيح

تراجع سوق الدواجن في الأردن يفتح ملف نظام الطيبات والمخاوف الصحية

ذهب وملابس داخلية ذهبية تهز العراق .. ماذا يحدث؟

الصحافة الأجنبية تعلق على مباراة الأردن والأرجنتين .. ماذا قالت عن أبو ليلى وهدف ميسي

توقعات الذكاء الاصطناعي لبطل مونديال 2026 .. المرشح الصادم

ماذا حدث لمتّبعي نظام الطيبات؟ أطباء يحسمون الجدل والأرقام تكشف المفاجأة

هبة مجدي تكشف أزمتها الصحية وتخوض رحلة علاجية ضد السرطان

حادث مأساوي يودي بحياة شاب أردني في الولايات المتحدة

رحيل بطل مسرحية 'شاهد ما شفش حاجة'

متورط مع موظفة .. فيديو خادش منسوب لمسؤول معروف يهز العراق

أفضل سيارة كهربائية في الأردن 2026 .. مفاجأة صينية تتفوق على المنافسين بالسعر والمواصفات

أسعار الذهب ترتفع محلياً السبت

القبض على مغني مهرجانات مصري شهير بتهمة خطيرة .. صورة

توضيح ملابسات حادثة الموظفة التي حاولت اقتحام مكتب وزير السياحة

سيادة لبنان حاجة سورية إقليمية

غرامات تصل 3000 دينار لمخالفي تعليمات إخفاء السجائر