بين الواقع والأرقام

بين الواقع والأرقام

12-05-2025 03:22 PM

في الوقت الذي يعاني فيه المواطن الأردني من ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة، أعلنت إحدى مراكز الاستطلاع أن نسبة رضا المواطنين عن أداء الحكومة تجاوزت 74% ((,, لم يصل99,,)). رقم كهذا، للوهلة الأولى، يبدو مبشرًا، بل استثنائيًا في السياق الإقليمي والدولي. غير أن هذا الإعلان أثار موجة من التساؤلات والدهشة، ليس فقط بين المراقبين، بل داخل الشارع الأردني نفسه، الذي يجد صعوبة في التوفيق بين هذا الرقم المرتفع وبين واقع يومي يزداد قسوة، تتخلله البطالة، وارتفاع المديونية، وتردي الخدمات، وشعور عام بالضيق الاقتصادي وفقدان الأمل.
بشكل عام عند تناول موضوع رضا الشعوب عن حكوماتها، لا يجوز الاكتفاء بإطلاق أرقام مجردة، بل لا بد من التحقق من مدى اتساقها مع المنهجيات العلمية المعتمدة عالميًا في إجراء استطلاعات الرأي. فالمعيار الأول لقياس رضا المواطنين هو استقلالية الجهة التي تنفذ الاستطلاع، ومصداقية منهجيتها. يجب أن تكون العينة ممثلة لمختلف الفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية، وأن يتم اختيار المشاركين عشوائيًا دون توجيه، مع ضمان بيئة تتيح التعبير الحر عن الرأي دون تخوف. كما يجب أن تكون الأسئلة محايدة وغير موجهة، وأن تُجرى الاستطلاعات في ظروف لا توظف سياسيًا أو إعلاميًا. من دون هذه الشروط، تصبح نتائج الاستطلاع أداة لتجميل الصورة، لا قياس الحقيقة.
وإذا ما انتقلنا من الإطار النظري"(( تسفيط الكلام))" إلى الواقع الأردني المعاش، تظهر الفجوة بين ما يعلنه الإستطلاع وما يعيشه المواطن. فحسب الأرقام الرسمية وغير الرسمية، تشهد البلاد ارتفاعًا مقلقًا في معدلات الفقر والبطالة، ولا سيما بين الشباب. الدين العام بلغ مستويات قياسية، والقدرة الشرائية تتآكل أمام موجات الغلاء ورفع الدعم. في المقابل، يعاني المواطن من تراجع في جودة الخدمات الأساسية، من التعليم إلى الصحة إلى النقل، فيما تتراكم شكاوى يومية تتعلق بالبيروقراطية والفساد الإداري وانعدام العدالة في الفرص. فكيف يستقيم إذن أن تصل نسبة الرضا العام إلى هذا الحد المرتفع؟ هل يعقل أن يكون ثلاثة أرباع الشعب الاردني راضين عن هذا الواقع المتأزم؟
وإذا قارنا الوضع الأردني بدول متقدمة اقتصاديًا واجتماعيًا، تتكشف مفارقة إضافية. في دول مثل السويد وألمانيا والولايات المتحدة ..... ، حيث يتوفر للمواطن مستوى عالٍ من الرفاه المعيشي والحقوق والحريات "والبحبحات" التي ((" ما ان مفاتحه لتنؤ بالعصبة أولي القوه"))، نادرًا ما تتجاوز نسب الرضا الشعبي عن الأداء الحكومي 60%. ورغم توفر الشفافية والحكم الرشيد والمساءلة، لا تتورع ولا تتوانى شعوب هذه الدول عن التعبير عن استيائها، وهو ما يظهر في نتائج الاستطلاعات التي تعكس آراء حرة وواعية. جوهر الأمر أن المواطن هناك لا يخشى قول الحقيقة، ولا يُستدرج لتأييد وهمي تحت الضغط أو بدافع الولاء، بل يقيم أداء الحكومة بميزان المصالح العامه للدوله ومواطنيها لا الشعارات.
من هنا، تبدو نسبة الرضا البالغة 74% غير منسجمة مع المؤشرات الميدانية للواقع المعاش، بل وتطرح علامات استفهام حول طبيعة الخطاب الإعلامي والمؤسسي الذي يسعى إلى تضخيم الإنجازات وتجميل الأداء. ((سحسلة الأرقام))، أو دغدغتها لإضحاكها، لا يخدم إلا تعزيز فجوة الثقة بين الدولة ومواطنيها. بل إنه قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يفقد المواطن إيمانه بجدوى المشاركة في الحياة العامة، ويغدو ساخرًا أو لا مباليًا، ما يضعف روح المواطنة والمساءلة.
لا أحد ينكر صعوبة المرحلة وتعقيد التحديات التي تواجهها البلاد. لكن الحل لا يكون بطلاء الواقع بأرقام براقة، بل بالصدق والمكاشفة. المطلوب ليس إعلان نسب رضا مرتفعة، بل تمكين المواطن من قول رأيه بحرية، والاستماع لصوته بإنصاف, وعدم الاستخفاف بعقله وفكره. المطلوب هو استطلاعات مستقلة، تُدار بشفافية وصدق، وتعرض نتائجها بكل أمانة، لتكون مرآة حقيقية للواقع ، لا مجرد وسيلة إعلامية لتهدئة الشارع أو كسب الثقة الزائفة.
إن المواطن الأردني، في نهاية المطاف، لا يبحث عن وهم ولا يطلب المستحيل , ويعلم أنه "متمدد في قعر الزجاجه" ولا زال يأمل بالخروج منها, ويوقن بأنى القادم ليس أجمل ,, مقولات لازالت تطاردنا,,. بل يريد أن يرى سياسات تلامس معاناته، وأن يشعر أن حكومته ترى ما يراه، وتعيش ما يعيشه. حينها فقط، ستكون نسب الرضا مهما بلغت، صادقة وجديرة بالاحترام.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

زلزالا فنزويلا ألحقا أضرارا كلية أو جزئية بأكثر من 58 ألف مبنى

الملكية الأردنية توضح حول حادث حافلة طاقم رحلة نيويورك

بعد 6 أيام تحت الأنقاض .. فريق الإنقاذ الأردني ينتشل طفلًا حيًا في فنزويلا

ألمانيا: اتفاق أميركا وإيران على وقف الهجمات يمنح فرصة للدبلوماسية

روسيا تعلن اعتراض 419 مسيّرة أوكرانية خلال الليل

البريد الأردني: إصدار قرابة 650 مجموعة طوابع منذ 1920

بلدية إربد تبدأ أعمال إزالة ميدان الثقافة لتركيب إشارة ذكية

وصول طائرة منتخب النشامى إلى مطار الملكة علياء

مقتل عنصرين من الحرس الثوري في هجوم مسلح بغرب إيران

الاقتصاد الرقمي: إصدار أكثر من 17 ألف شهادة مدرسية عبر تطبيق سند

عطلة رسمية في الباراغواي بمناسبة الفوز على ألمانيا في كأس العالم

الذهب يواجه أكبر انخفاض شهري منذ أواخر 2008

حريق هائل بمصفاة نفط في الهند وإصابة عدد من العمال

المغرب يتأهل لدور الـ16 بعد الفوز على هولندا بركلات الترجيح

أجواء حارة نسبيا الثلاثاء والأربعاء ومعتدلة الخميس والجمعة

تراجع سوق الدواجن في الأردن يفتح ملف نظام الطيبات والمخاوف الصحية

لفتة للنشامى نالت إعجاب الجماهير العربية والجزائرية .. صورة

الأردن يقترب من إنتاج 500 طن سنوياً من الكعكة الصفراء

تحديد هوية الشاب المتوفي في تدافع مباراة الأردن والجزائر .. صورة

توقعات الذكاء الاصطناعي لبطل مونديال 2026 .. المرشح الصادم

الصحافة الأجنبية تعلق على مباراة الأردن والأرجنتين .. ماذا قالت عن أبو ليلى وهدف ميسي

نداء للتعرف على هوية المتوفى بتدافع مباراة النشامى

هبوط بأسعار الذهب محلياً اليوم

متورط مع موظفة .. فيديو خادش منسوب لمسؤول معروف يهز العراق

أسعار الذهب ترتفع محلياً السبت

نهر إسمنتي غامض في غزة .. ما حقيقة استخدامه في ترميم المنازل

على نفقته الخاصة .. الملك  يوجه دعوة خاصة لسيدة أردنية لزيارة المملكة

توضيح ملابسات حادثة الموظفة التي حاولت اقتحام مكتب وزير السياحة

ماذا حدث لمتّبعي نظام الطيبات؟ أطباء يحسمون الجدل والأرقام تكشف المفاجأة

سيادة لبنان حاجة سورية إقليمية