استحِ

استحِ

26-07-2025 10:16 PM

كانت أمي، قبيل أفول الذاكرة وانطفاء الحكايا، امرأةً عجوزاً بحكمة الجبال وصبر التلال، تنظر إليَّ بعينٍ واحدةٍ تشعّ، والأخرى تمتلئ بالعتمة. ما إن أفعل فعلاً أرعن، أو أتفوّه بسخافةٍ ما، حتى تحمرّ عيناها، وتتقد قسمات وجهها الحنون بنارٍ مقدّسة، وتقولها كالصاعقة:

"استحِ."
لم تكن الكلمة كثيرةً في عدد حروفها، لكنها كانت تزلزلني، تجعلني أستعيد نفسي كأنني عدت من شفير هاوية. كانت "استحِ" في فم أمي ليست مجرد نهي، بل وصيّة، أخلاق، ذاكرة أجيال، سطرٌ من كتابٍ لم أكن أعرف وقتها من كاتبه، لكنها كانت تحفظه غيباً من حياةٍ صقلها الجوع والعوز، والخبز اليابس، والملح والكرامة.

لم أفهم يومها ما كانت تعنيه.. حسبتُها تغضب من ضحكي، أو سذاجة تصرّفي، أو قفزتي في منتصف الطريق. كنت طفلاً، مغمض القلب، لا يدري أن وراء كلمة "استحِ" جبلٌ من القيم، وسدٌّ من الستر، وسؤالٌ عميق عن معنى أن تكون إنساناً، لا بهيمياً في هيئة مخلوق ناطق.

لكنّي فهمت…
فهمت حين رأيت "عطاف"، المرأة الغزاوية التي طحنتها المجاعة في صمتٍ لم يلتفت إليه أحد. كانت تجلس على أرضٍ متشققة، عظمُها ظاهر، وعيناها غائرتان في يأسٍ لم يعد يطلب شيئاً من العالم.
كان المشهد صارخاً، يجلد الحياء من وجوهنا التي صارت تشاهد ولا تخجل، تمرّ دون أن تصمت أو تتأمل، أو تبكي، أو حتى تهمس: "اللهمّ ارحم الجائعين."
مرّ الناس كأن شيئاً لم يكن.
كأن عطاف، بلحمها العاري وكرامتها المنتهكة، لم تكن.

عندها فقط، شعرتُ أن أمي تصرخ في أذني من وراء الغياب:

"استحِ."

أدركت أنها لم تكن تعنيني وحدي. كانت تعني الكون كله، هذا الكون الذي نسي الحياء، فصار يرفع الجوع إلى شاشات الهواتف، لا إلى موائد الرحمة.
صرختها ليست رجع صدى عابر، بل آخر ما تبقى من وصايا النساء اللواتي كنّ إذا جعن، صبرن، وإذا رأين جوعاً، بكين، وإذا حكمن على أحد، سألن أولاً: "أين الحياء؟"


الآن، في صمتي الطويل، حين أقف أمام مرآة لا تعكس إلا خيبتي، أسمعها.
لم تعد الكلمات كثيرة، ولا الأشواق مرتبة، لكن "استحِ" بقيت مثل نشيد قديم، مثل جرسٍ صغير على عنق ذاكرة، إذا دقّ، تذكرت أنني لا أعيش وحدي في هذا العالم، وأن الإنسان، إن لم يخجل من رؤيته للجوع، فلا معنى لوجوده أصلاً.

فـ"استحِ" ليست دعوة لخفض الرأس…
بل لرفعه بشرف.
لرؤية الآخر بعيون لا تطفئها العادة.
ولتذكّر أن الكرامة لا تُشترى، وأن الشرف، في النهاية، ليس في الكلمات…
بل في أن نرى امرأةً مثل عطاف، فنمدّ يد الرحمة، لا كاميرا الهاتف.

أمي…
سامحيني.
فقد فهمتُ متأخراً.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

شركة البوتاس العربية تهنئ بعيد الجلوس الملكي السابع والعشرين

وفد من كلية الحقوق في عمان الأهلية يزور الديوان الملكي

أسرة عمان الاهلية تهنئ بعيد الجلوس الملكي وذكرى الثورة العربية الكبرى ويوم الجيش

تقبّل التهاني بمناسبة تعيين نذير محمد الظاهر العواملة أميناً عاماً

تقرير دولي يشيد بإصلاحات التعاونية الأردنية القانونية والإدارية

ضبط سلاح ناري بحوزة حدث داخل مدرسة في المفرق

الملك يتلقى برقيات تهنئة بعيد الجلوس وذكرى الثورة العربية ويوم الجيش

إعادة تشكيل الهيئة الإدارية المؤقتة للفيصلي برئاسة الحنيطي

جيش الاحتلال الإسرائيلي يصدر إنذارا لإخلاء مدينة صور جنوب لبنان

في حضرة الجلوس الملكي

صدقت الوعد… ذكرى لا تغيب

نتائج مشجعة لدواء مكافح للبدانة من شركة أسترازينيكا البريطانية

إزالة اعتداءات على خطوط مياه الشرب في الحسا

القضاة: رفع الأفضلية السعرية للصناعة الوطنية يعزز النمو والتشغيل

ولي العهد يهنئ الملك بعيد الجلوس: حفظك الله وأدامك قائدا وسندا