الحروف المقطعة

الحروف المقطعة

10-08-2025 11:28 PM

الحروف المقطعة… بين سر الوحي ورمز المقاومة

في زمننا هذا، أصبحت الكلمات تُراقب كما تُراقب الحدود، بل وربما أشد. كلمة "فلسطين" قد تُحجب، و"حماس" قد تُحظر، و"المقاومة" قد تُصنّف جريمة، رغم أن العالم بأسره – في مبادئه المعلنة – يقرّ أن مقاومة الاحتلال حق مشروع، وواجب إنساني وأخلاقي وديني.

لذلك، لجأ الناشطون والكتّاب ورواد وسائل التواصل إلى كتابة الكلمات مقطّعة: "فـ لـ سـ طـ يـ ن"، "مـ ق ـا و مـة"، "حـ مـ ا س"... لعلها تفلت من شِباك الرقابة الإلكترونية التي نصبتها المنصات، في عالم صارت فيه الخوارزميات أداة قمع لا تقل عن سلاح المحتل.

وفي كل مرة أرى هذه الحروف المقطّعة في المنشورات أو على شاشات الفيديو، يقفز إلى ذهني مشهد أعمق وأقدس، مع الفارق العظيم في المقام والمكانة: الحروف المقطعة في أوائل بعض سور القرآن الكريم. تلك الحروف التي كانت – ولا تزال – لغزًا يثير التساؤلات، ورسالة تسبق الرسالة، تحدٍّ لغوي وإيماني للمشركين أن يفهموا سرّها أو يأتوا بمثلها.

لا أقصد هنا – حاشا لله – أن أشبّه ما نكتبه نحن بكلام الله تعالى، فالقرآن كلام الخالق المعجز، محفوظ بحفظه، له قدسيته التي لا يرقى إليها شيء. لكنني أجد في المشهدين ملمحًا مشتركًا على مستوى الرمز: الحروف حين تُقطّع، تصبح أداة تحدٍّ وكسر للحصار الفكري. بالأمس كانت الحروف المقطّعة بابًا إلى معجزة البيان، واليوم أصبحت حروفنا المقطّعة بابًا إلى إيصال كلمة الحق رغم جدران الحظر.

ربما نحن لا ندرك أننا بهذا الفعل الصغير – تقطيع الكلمة – نُشارك في فعل مقاومة رقمية. ربما لا نملك أن نوقف القصف، لكننا نحاول أن نوقف التعتيم. نحن لا نحمل البندقية، لكننا نحمل الحرف، والحرف إذا اجتمع مع غيره صار كلمة، والكلمة إذا خرجت من القلب وصلت إلى القلوب.

الاحتلال يدرك خطورة الكلمة أكثر مما يظن البعض، ولهذا يحاربها. فهو يعرف أن المعركة ليست على الأرض وحدها، بل على الوعي. وحين يمنعك من قول "المقاومة" صراحة، فإنه يحاول أن يمنع الفكرة ذاتها من الوصول إلى عقول الناس. وعندما نكتبها "م ـقـ ا و م ـة"، فإننا نعلن أننا فهمنا اللعبة، وأننا سنجد دائمًا طريقًا لنعبر، ولو من بين ثقوب الجدار.

إن الحروف المقطّعة التي نكتبها اليوم ليست عبثًا، بل هي رمز. رمز لشعب لم يستسلم رغم الحصار، ورمز لكلمة لم تُسكت رغم الحظر. هي إشارة تقول: إذا منعتمونا من قول الحقيقة كاملة، فسوف ننثرها حرفًا حرفًا، حتى تكتمل في قلب من يقرأها.

ربما سيتذكر أحفادنا هذه الحروف كما نتذكر نحن الحروف المقطّعة في القرآن، ليس في قدسيتها، ولكن في وظيفتها كجسر بين المعنى والعقل، وبين الإرادة والقدرة، وبين الحاضر والمستقبل. وسيدركون أن الحرف كان سلاحًا، وأنه حين يُقطّع أحيانًا، فإنما يُقطّع ليحيا. كما تقطع بعض أغصان الشجرة لتقوى الشجرة كلها.

فلسطين، سواء كتبت منجمة و مفرقة، فمعناها واحد، لا يجزء: بلدًا عربيًا مسلمًا مقدسًا من بحره إلى نهره. لن يضره خذلان المتخاذلين ولا تواطؤ المتواطئين، كما لا يضره إجرام المجرمين. وكلنا يعلم من هم: المتخاذلون والمتواطئون والمجرمون.

وفي النهاية، وعلى عكس كثير من الآراء، أرى أن كل التآمر الذي ينصب على فلسطين اليوم، وكل الدماء التي ترتقي، وكل المأساة التي يعيشها أهلنا ونعيشها معهم، ليست إلا آخر فصول كتاب التحرير الكامل، وهي المرافعة في محكمة الله الذي سينتصر لهذا الشعب.

قطعوا حروفنا كما شئتم، فالتآمر أكبر من تآمر الخوارزميات، لكننا منتصرون لا محالة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

مأدبا تستعد للحالة الجوية المقبلة المتوقعة

البنك الدولي: 47 ألف مزارع استفادوا من برنامج أرضي في الأردن

الكرملين يحذر من امتداد حرب إيران إلى بحر قزوين

السعودية: المنتدى الاقتصادي العالمي يرجئ اجتماعا في جدة

ارتفاع حصيلة عدوان الاحتلال على غزة إلى 72,263 شهيدا و171,948 مصابا

وزارة الأشغال تعلن حالة الطوارئ المتوسطة اعتبارا من الأربعاء

مسؤولون إسرائيليون: ترامب يبدو مصمما على التوصل إلى اتفاق مع إيران

كوريا الجنوبية تطلب دعم عُمان في إمدادات النفط والغاز المسال

وزير الطاقة الإيراني: إيران الأقل تأثرا بأي هجمات على منشآت الطاقة

الذهب يعاود الصعود في السوق المحلية الثلاثاء

الحرب متواصلة في الشرق الأوسط بعد إعلان ترامب عن مفاوضات مع إيران

6 إصابات في تل أبيب جراء سقوط شظايا صاروخية

بيانات: باكستان أكثر دول العالم تلوثا في 2025

ارتفاع حصيلة القصف الأميركي على مقر الحشد الشعبي في العراق

الفوسفات الأردنية تحصد جائزة التميز الدولية للسلامة المهنية من المجلس البريطاني