التعليم العالي وصناعة المستقبل

التعليم العالي وصناعة المستقبل

16-08-2025 11:08 PM

يشهد التعليم العالي اليوم تحديًا غير مسبوق يتمثل في ضرورة مواكبة التحولات المتسارعة في سوق العمل العالمي، حيث لم يعد التخطيط للتخصصات الأكاديمية أمرًا داخليًا أو محليًا بحتًا، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الجامعات على استشراف اتجاهات العالم ومقارنتها بالاحتياجات الإقليمية والمحلية. فالعالم يشهد ثورة صناعية رابعة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والرقمنة والاقتصاد الأخضر، ومن يتخلف عن هذا الركب سيجد نفسه ينتج خريجين لا مكان لهم في سوق العمل الجديد.

عندما ننظر إلى الصورة العالمية، نجد أن الذكاء الاصطناعي وحده يتوقع أن يخلق أكثر من ٩٧ مليون وظيفة جديدة بحلول عام ٢٠٣٠ وفق تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي، في حين أن الأمن السيبراني يحتاج إلى ما يقارب ٣.٥ مليون مختص إضافي عالميًا بحلول ٢٠٢٥. هذه الأرقام تكشف أن التخصصات الجامعية يجب أن تتحرك سريعًا نحو هذه المسارات إذا أرادت أن تواكب الواقع.

لكن التحدي لا يقتصر على قراءة الاتجاهات العالمية، بل يمتد إلى فهم احتياجات الإقليم. ففي المنطقة العربية مثلًا، يُقدَّر أن حجم سوق التكنولوجيا المالية سيصل إلى نحو ١٠٨ مليارات دولار بحلول ٢٠٢٥، مما يفتح الباب أمام تخصصات تجمع بين الاقتصاد والبرمجة. وفي السياق ذاته، فإن ملف الأمن الغذائي يفرض نفسه بقوة مع التغير المناخي وندرة المياه، الأمر الذي يجعل الزراعة الذكية والطاقة المتجددة ليست مجرد تخصصات أكاديمية بل قضايا وجودية.

أما على المستوى المحلي في الأردن، فإن الواقع يفرض نفسه بشكل أكثر وضوحًا. فمعدلات البطالة بلغت أكثر من ٢١%، بينما تصل بين الشباب إلى حوالي ٤٠%، ما يعني أن أي تخصص لا يُترجم إلى فرصة عمل ملموسة سيضاعف المشكلة بدل أن يساهم في حلها. وفي المقابل، تخرج الجامعات الأردنية سنويًا ما يقارب 70 ألف خريج من مختلف التخصصات، وهو عدد كبير مقارنة بفرص العمل المتاحة فعليًا في السوق المحلي . لذلك على الجامعات الأردنية أن تركز على القطاعات التي يُظهر السوق المحلي والإقليمي طلبًا متناميًا عليها، مثل تكنولوجيا المعلومات، والتمريض، والهندسة الطبية، والطاقة الشمسية.

لقد أثبت الأردن بالفعل أن لديه ميزات نسبية في بعض هذه القطاعات. فمشروع شمس معان للطاقة الشمسية مثال حي على إمكانية أن يصبح الأردن مركزًا إقليميًا للطاقة المتجددة. كما أن قطاع البرمجة وتكنولوجيا المعلومات يصدر سنويًا مئات الكفاءات إلى أسواق الخليج ووادي السيليكون، مما يدل على أن الاستثمار في هذه التخصصات يمكن أن يدر عوائد اقتصادية ويخلق سمعة تعليمية عالمية.

ومع ذلك، لا يكفي الاعتماد على النجاحات الجزئية، بل ينبغي للجامعات أن تُجري دراسات سوق دورية تُحدّث برامجها الأكاديمية كل ثلاث سنوات على الأقل. فالعالم يتغير بسرعة، والتخصصات المطلوبة اليوم قد تفقد بريقها بعد عقد واحد. وتجربة ماليزيا في إعادة هيكلة برامجها الجامعية لتتلاءم مع خطة التحول الرقمي الوطنية تُظهر أن الجامعات قادرة على التكيف إذا ما تبنّت عقلية ديناميكية.

الأمر الآخر الذي يستحق الانتباه هو الحاجة إلى تخصصات بينية تدمج أكثر من مجال، مثل القانون الرقمي، أو الهندسة الطبية الذكية، أو الصحة الرقمية. هذه البرامج لا تلبي فقط احتياجات السوق، بل تخلق مرونة لدى الخريجين وتجعلهم قادرين على العمل في بيئات متنوعة. ولنا في تجربة جامعة خليفة في الإمارات مثال واضح على نجاح الاستثمار في التخصصات البينية التي تجمع بين التكنولوجيا والهندسة والطب.

كما أن الجامعات لا بد أن تعزز ارتباطها بالقطاع الخاص من خلال برامج تدريبية ومراكز ابتكار مشتركة، لأن الشركات هي الأقدر على تحديد المهارات التي تحتاجها فعلًا. وقد أظهرت دراسة للبنك الدولي أن نحو ٥٣% من خريجي الجامعات العربية يفتقرون إلى المهارات التي يبحث عنها أصحاب العمل، وهو ما يفسر الفجوة الكبيرة بين التعليم وفرص التوظيف.

ولا يقل عن ذلك أهمية الاستثمار في المهارات الناعمة مثل التفكير النقدي، والقيادة، وريادة الأعمال. فقد بينت دراسة لمنظمة اليونسكو أن ٦٠% من وظائف المستقبل لم تُخلق بعد، وهذا يعني أن امتلاك الخريج لقدرة على التكيف والتعلم المستمر سيكون أهم من إتقانه لمهارة تقنية واحدة معرضة للتقادم السريع.

في الختام، الجامعة التي تُبقي برامجها أسيرة التخصصات التقليدية ستنتج جيوشًا من العاطلين عن العمل، أما الجامعة التي تقرأ التوجهات العالمية، وتحلل احتياجات الإقليم، وتفهم واقع سوقها المحلي، فستُبحر بسفينة التعليم إلى آفاق المستقبل بثبات وثقة، لتصبح منارات نور تقود وطنها نحو اقتصاد حقيقي مستدام.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

عرض مسرحي في الفحيص بعنوان "القناطر"

الطقس: موجة دافئة مؤقتة تسبق مؤشرات اندفاع "المرتفع السيبيري" المبكر

أنشطة وبرامج توعوية وتدريبية في عدد من المحافظات

جاهزية ستاد الحسن تحت المتابعة الحكومية في إربد

المفرق: إنقاذ شخص سقط من مقطع صخري بعمق 40 مترا وحالته حرجة

طهران تتلقى رسالة من نائب الرئيس الأميركي وتؤكد استمرار إغلاق هرمز

سوء الحظ يطارد هاري كين ودورتموند يفرض التعادل

الأردن يشارك في اجتماعات الأكاديمية العربية للنقل البحري بالقاهرة

روسيا تمدد حظر تصدير الديزل حتى نهاية كانون الثاني المقبل

عمره 4.1 مليار عام .. نيزك نادر من المريخ يكشف أسرار قشرة الكوكب المبكرة

خبير أمني مصري يحذر من طموحات إثيوبيا العسكرية في البحر الأحمر

غارات وقصف إسرائيلي على جنوب لبنان

الشيخ عبدالله ذنيبات يطالب بإعدام مرتكبي جريمة الكرك أمام الناس

الحسين إربد يهزم الفيصلي بهدف نظيف في دوري المحترفين

فرنسا: توقيف أكثر من 290 شخصا واشتباكات بين الشرطة والمحتجين

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم