مدارسنا في العالم العربي بين النظرية والتجريب

مدارسنا في العالم العربي بين النظرية والتجريب

05-09-2025 11:59 AM

لا تزال الذاكرة تحتفظ بمشاهد لا تُمحى مهما تقادمت السنين، من تلك الذكريات تظل تجربة مُربَّى التفاح التي أجريناها قبل خمسين عاماً في الصف السادس الابتدائي حاضرةً في الذهن، لم تكن تجربة غذائية عابرة، بل كانت درساً عملياً جسَّد معنى التعليم التفاعلي وأثره العميق في نفوسنا حتى اليوم.
خطوات التجربة حدثت خارج الفصل – لا يوجد معامل أو مختبرات – راقبنا المعلم باهتمام عندما قام بتقطيع التفاح إلى أجزاء صغيرة وأضاف الماء والسكر على النار حتى تكوَّن مزيجاً من المكونات الثلاث أو ما يعرف بمُربَّى التفاح، كرَّرنا التجربة في المنزل عدة مرات، كانت تجربة ممتعة ومثيرة للاهتمام، شاهدنا كيف يمكن للمادة بأن تتحول إلى مواد جديدة عبر ما يُسمَّى بالتفاعلات الكيميائية.
في ذات السياق، مواد أخرى مثل الهندسة والحساب كانت مُجرَّد أرقام ومعادلات، فمعرفة النسب والكسور والمساحة والمحيط تُدرَّس نظرياً على السبورة الخشبية السوداء، وسيلة القياس المتوفرة لدى الطالب هي قلم الرصاص والمسطرة والفرجار حتى يرسم الأبعاد على الورق، لقد كان يكفي المعلم حينها تدريس الهندسة والحساب خارج الفصل عن طريق قياس مساحة أو محيط الفناء المدرسي لمعرفة مسائل القياس تجريبياً حتى تصل المعلومات لأذهان الطلاب بسهولة.
نسوق تلك المشاهد للاعتبار، فلا تزال مدارسنا حتى اليوم تفتقد للتطبيقات العملية، فعندما يدرس الطالب في الفيزياء بالمرحلة الثانوية موضوعاً حول الضوء ولا يجد درساً عملياً يُرسِّخ هذا المفهوم في ذهنه، أو درساً في الكيمياء حول تفاعل مادتين لإنتاج مادة جديدة دون أن يشاهد لها أثراً في الواقع، أو مسألة في التفاضل ليس لها تطبيقاً في محيط مدرسته، حتماً سوف ينسى المعلومات النظرية المحفوظة التي ستنتهي من ذاكرته مع نهاية الاختبار لتلك المادة.
نعود للحديث عن تجربة المُربَّى، فالتجارب البسيطة كتلك التجربة، ليست مجرد نشاط ترفيهي، بل هي البذرة الأولى لثقافة التجريب والبحث، فعندما يُجرِّب الطالب بيديه تفاعل المواد، أو يقيس الأطوال، أو يُصمِّم أحد النماذج، فإنه يكتسب عقلية عملية تطبيقية، تلك العقلية هي أساس الصناعة والإنتاج في مراحل لاحقة.
فالدول التي قادت الصناعة والإنتاج – كوريا واليابان وألمانيا – مثلاً، بنت أنظمتها التعليمية على ورش العمل والمختبرات والمشاريع التطبيقية بدءاً من المراحل الدراسية الأولى الابتدائية حتى نهاية المطاف في المراحل الدراسية الأعلى، فالتعليم العملي هو الجسر بين المدرسة والمصنع، والصف الدراسي وخط الإنتاج؛ هناك يتجلى الفارق بين من يسعى للابتكار والابداع نحو الإنتاج الصناعي ومن يكتفي بدراسة المسائل النظرية.
ختاماً: في وقت أضحت المعلومات والمعارف في متناول الجميع عبر وسائل التواصل الاجتماعي والوسائط الرقمية، فإن المؤسسة التعليمية يقع عليها عبء ومسؤولية تحويل المدارس الحالية من منصة تلقين إلى ورشة اكتشاف، بإعادة النظر في المناهج، وإيلاء التجارب العملية والمشاريع البحثية النسبة الأكبر من الاهتمام مقابل التعليم النظري، حتى يتسنى للطالب اكتشاف ميوله واهتماماته مبكراً؛ سوف يُسهم هذا الإجراء في بناء جيل متقدم علمياً وعملياً، وينافس مستقبلاً مع دول العالم المتقدم في شتَّى المجالات.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72,610

الاحتلال الإسرائيلي يعلن مقتل عنصرين من حزب الله

نقابة الصحفيين تدعو لتسهيل وصول الإعلام إلى المعلومات

افتتاح 3 مشاريع سياحية في البحر الميت تزامنا مع عيد الاستقلال

الأمن العام يحذر من الأجواء المغبرة خاصة على الطرق الخارجية

الممر الطبي الأردني ينقذ أكثر من 700 طفل من غزة

تراجع طفيف لصادرات إربد في نيسان ونمو مستمر منذ بداية العام

البلقاء التطبيقية تعلن بدء التسجيل لامتحان الشامل في دورته الأخيرة

مجلس الوزراء يعقد في إربد الجلسة الثانية من جلساته في المحافظات

ضريبة الدخل تباشر صرف الرديّات عن إقرارات عام 2025 لدخل 2024

ارتفاع الطلاق لدى النساء مقارنة بالرجال بعد سن الخامسة والعشرين

الفوسفات: 111 مليون دينار صافي أرباح الربع الأول من العام 2026

حسان يفتتح مدرسة مرو الثانوية للبنات في إربد

قتيل في هجوم روسي بمسيّرة على خيرسون جنوبي أوكرانيا

النمسا توقف مشتبها به بدس سم فئران في عبوات طعام للأطفال