طفلة الصمت

طفلة الصمت

20-11-2025 08:31 AM

لم تكن سجى تعرف من العالم سوى غرفة ضيقة، وسرير بارد، وجسد صغير يختبئ من يدٍ لا ترحم.
كانت طفلة تبحث عن ملجأ، فإذا بالبيت يتحوّل إلى ساحة خوف، والجدران إلى شهود صامتين على أنينها.
يا لوجع طفلة لم تتعلّم بعد كيف تنطق أحزانها، فتكفّل بها الصمت… وتحوّل صمتها إلى قبر من خوف.

كانت سجى تنظر حولها بعيني طفلة تطلب الرحمة ولا تجدها.
تنتظر حضنًا يطمئنها، فإذا باليد التي يفترض أن تحميها ترتجف منها رعبًا.
أيُّ ظلمٍ هذا الذي يجعل طفلة في السادسة تتوسّل الليل ألا يطول… وتظن أن العتمة أحنّ عليها من البشر؟
أيُّ قلبٍ هذا الذي لم يرتجف؟ وأيُّ إنسانية ماتت قبل أن تموت الطفلة نفسها؟

ست سنوات فقط…
ست سنوات لم تكن كافية لتتعرف فيها على الأمان، ولا لتتعلّم أن للطفولة حقًا، وأن للحياة وجهًا آخر غير الألم.
كانت سجى تخوض حربًا بلا سلاح، تركض في بيت يفترض أن يحميها، تبحث عن باب مفتوح، نافذة خلاص، كلمة توقف النزيف.
لكن لا باب سمع، ولا جدار رقّ، ولا جار انتبه لصرخة تتكرر كل يوم حتى ذبلت.

لم يكن أحد يسمع صوتها؛ فالناس اعتادت الضجيج، ولم تعد تميّز صرخة طفلة تُذبح ببطء.
الحيّ صامت، الجيران مشغولون، والمجتمع يمرّ بجوار الوجع كأنه لا يخصّه.
وطفلة تكافح من أجل نفسٍ إضافي، من أجل لحظة بلا ألم… من أجل أن تبقى فقط.

هذه ليست حادثة فردية، ولا مأساة استثنائية.
هذه نتيجة ثقافة كاملة تُبرّر الصراخ، وتُشرعن الضرب، وتُعلّق فشل التربية على شماعة “الطاعة”.
ثقافة ترى أن الصمت فضيلة… ولو كان الصمت قتلًا.
وأن السلطة حقّ… ولو كانت السُلطة على جسدٍ لا يستطيع حتى ردّ اليد عن وجهه.

والمصيبة أن القانون نفسه يتعثر:
قوانين رحيمة مع الجاني، قاسية على الضحية.
ثغرات تسمح لرجل أن يهرب بحجة، بينما طفلة لا تملك حتى حق الشكوى.
مجتمع يلوم الصغير، ويبرّر للكبير، ويقسو على الأضعف دائمًا.

تموت طفلة ليس لأنها ضعيفة، بل لأن النظام كله أضعف من حمايتها.
لأن صوت الأطفال يُعامل كضوضاء، لا كاستغاثة.
ولأن يدًا ظنّت أنها تملك الحق صنعت مأساة لا يمكن إصلاحها.

نحن بحاجة إلى قانون لا يلين، إلى منظومة لا تساوم على حياة طفل،
إلى مجتمع يفهم أن الضربة الأولى جريمة، والصراخ الأول نداء نجدة،
وأن الطفل ليس مُلك أحد… بل روح أودعها الله في أعناق الجميع.

اليوم هناك غرفة فارغة من ألعابها.
سرير صغير بلا طفلة.
وصرخة ماتت لأن العالم نام عنها.

رحم الله سجى… طفلة لم تعرف معنى الحنان.
ولعن الله كل يدٍ أوجعت، وكل أذنٍ تجاهلت، وكل قانون لم يقف حيث يجب أن يقف.
بقي أن نقول:
سجى ارتاحت الآن… من الضرب، من الخوف، من الرعب. ارتاحت في مكانٍ آمنٍ لا تؤلم فيه يد، ولا تُطفأ فيه روح.
وحسبي الله ونعم الوكيل…
والله ما أقسى أن نكمل كتابة مقال كهذا.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

غضب أردني من تصريحات خبير تربوي أساء للنبي ﷺ .. والإفتاء ترد

انطلاق الدورة 22 من ملتقى الشارقة للسرد في عمَّان

العقبة تطلق 3 برامج دعم سياحي جديدة لتعزيز الحركة وزيادة الإقامات

بورصة عمان تطلق النسخة المحدثة من نظام التداول الإلكتروني

نجم سهيل يطل على الجزيرة العربية فجر الاثنين معلنًا بداية انحسار الصيف

صلاح يقود طرابزون سبور للفوز على باشاك شهير بالدوري التركي

تونس .. انتشال 11 جثة بعد انقلاب قارب على متنه 15 مهاجرا غير نظامي

حماس عقب تهديد إسرائيل بشأن طائرات ورقية بغزة: تبرير لاستهداف الأطفال

الجيش اليمني: استهدفنا تجمعات وثكنات للحوثيين بمختلف الجبهات

التربية: توقع انتقال نحو 40 ألف طالب من المدارس الخاصة إلى الحكومية هذا العام

العجارمة: النقل المدرسي المجاني يهدف إلى الحد من الغياب والتسرب

التربية: حوسبة امتحان الثانوية العام المقبل وإتاحة التقدم للاختبار وإعادته إلكترونيا

التربية: خفض المدارس المستأجرة إلى 606 بعد الاستغناء عن 170 مدرسة

اتفاق مع مصر على قبول الطلبة الأردنيين في كليات الطب

العجارمة: نظام الحقول يوجه الطلبة نحو تخصصات تلائم سوق العمل

سياحة الأعيان: ضرورة مواصلة تطوير موقع المغطس ومحيطه

سبب وفاة فؤاد حجازي تهز مواقع التواصل

أرض بملايين الدنانير وموظفون بلا دوام .. الحكومة أمام أسئلة حاسمة .. صور

أمطار صيفية نادرة تفاجئ الشمال .. وهذا ما ينتظر الأردن خلال الأيام المقبلة

77 مليار لتر سُرقت من مياه الأردن .. رقم يفوق سعة سد الملك طلال

الذهب يلمع في الأردن اليوم .. أسعار

قرار في جامعة حكومية يفتح ملف الصلاحيات القانونية

بيان شديد اللهجة من عشائر الخزاعية بشأن عرس مادبا: سنلجأ للقضاء

القبول الموحد يغلق قبل المكرمة .. موعدان مختلفان وخطوة لا يجوز تأجيلها

«خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن

وفاة ممثل مصري شهير .. صورة

وفاة عشريني متأثرًا بإصابته برصاص والده في البلقاء

حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة

من 50 إلى 300 دينار .. أجور الإتلاف تقفز 500% ومكافآت جديدة

بعد سرقة 77 مليار لتر في الأردن .. فتوى تحسم الحكم الشرعي