هل حزمت رئيسة وزراء الدنمارك أمتعتها بانتظار خاطفيها

هل حزمت رئيسة وزراء الدنمارك أمتعتها بانتظار خاطفيها

07-01-2026 01:31 AM

استعمار جديد يصنعه ترامب اليوم، عبر شعوره العارم بالغطرسة والقطبية الواحدة، القادرة على حكم العالم برمته، الذي يعيشه هو من خلال فرصته الذهبية بفرض عضلاته على الجميع، إما بالهجوم، أو التجاهل، أو الإهانة أو حتى التسطيح. استعمار قائم على قناعة الغرور، وعقلية “الكاوبوي” وأفلام “الأكشن”، في عالمٍ يزداد فيه جنون العظمة، وتذوب فيه الخطوط الفاصلة بين القانون الدولي وشهية الإمبراطور الجديد. عالم لا يعود السؤال فيه: ما الذي سيفعله ترامب؟ بل إلى أي مدى يمكن أن يأخذه غروره؟
فبعد «اختطاف» الرئيس الفنزويلي واحتجازه في ما بات يُشبه «سجن ترامب»، فتحت شهية الرجل وتسارعت كرة النار باتجاه إيران، وصولاً إلى شمال الكرة الأرضية، نحو غرينلاند، الجزيرة القطبية الواعدة، التي قرر الرئيس الأمريكي أن يضعها فجأة على قائمة عقاراته المزعومة.
غرينلاند ليست كتلة من الثلج المعروضة في مزاد الجغرافيا، ولا يمكن فيها تكرار المقولة الشهرية، التي آلمت مشاعر الفلسطينيين ذات يوم: أرضٌ بلا شعب لشعب بلا أرض. غرينلاند التي تتربع على مخزون نفطي هائل ومعادن ثمينة وموارد لا تحصى، أثارت شهية ترامب وزرعت فيه التجاسر على القانون الدولي بالإفصاح علانية عن نزواته الاستعمارية ونزواته الجغرافية. ترامب الذي قال بأنه يريد أطفاء حروب العالم، هو ذاته الذي غير اسم وزارة الدفاع ليسميها “وزارة الحرب”، وهو الذي يبحث بنهم شديد عن موارد الأرض ليفرض هيمنته عليها، فرأى في إقليم دنماركي وديع، يتمتع بحكم ذاتي معروف، وعدد سكان قليل، ضالته الكبرى. لكن غرينلاند بتعداد سكانها المتواضع، تعرف جيدا معنى أن لا تكون على هامش الجغرافيا، ولا على أطراف السياسة في آن واحد، لذلك ذّكرت حلفاء الدنمارك في أوروبا باتفاقية الدفاع المشترك في حلف الناتو، التي تعني أن الاعتداء عليها إنما هو بمثابة الاعتداء الشامل على كل أعضاء الحلف، وأن التجاسر على مهاجمتها، أو احتلالها أمام تقاعس الحلف، سيعني أن الحلف قد انتهى. لكن عقلية ترامب التجارية الكاسحة، لا يهمها التاريخ ولا القانون الدولي خاصة أمام شهية مفتوحة على موقع جيوسياسي حساس، ومنصة قادرة على إعادة رسم خريطة النفوذ في القطب الشمالي متحدياً روسيا وحلفائها.
الأزمة اليوم بين واشنطن وكوبنهاغن لم تعد حبيسة المؤتمرات الصحافية، بل خرجت الدنمارك معها إلى الملء لتصرح وبلا مواربة: بأن على ترامب أن يعرف بأن عليه التوقف عن تصريحاته المستفزة، وأن الناتو يجب أن لا يقف متبلماً مكتوف اليدين أمام حرب باردة جديدة، حملت ما تحمله من تكاليف وأوجاع أضنت أركانها داخل العائلة الغربية ذاتها. فحين يصل الأمر إلى تهديد البنية التي قامت عليها العلاقات عبر الأطلسي منذ الحرب العالمية الثانية، فإن زلزالاً سياسياً واستعماراً مستجداً على وشك الولادة في إطار صناعة نظام دولي جديد. هنا يطل السؤال الساخر ـ المرعب في آن: هل يقدم ترامب على «خطف» رئيسة وزراء الدنمارك كما «خطف» الرئيس الفنزويلي؟ وهل حزمت السيدة أمتعتها بانتظار خاطفيها؟ وهل ستنضم لمادورو في سجنه؟
السؤال قد يبدو ضربا من السخرية والتندر، لكن الوقائع أثبتت أن الخيال قارب على أن يلامس الواقع في زمن ترامب، إذ يمكن اليوم وبلمح البصر أن يتحول رئيس دولة إلى رهينة سياسية، ويمكن أن تتحول جزيرة باردة إلى مغنمٍ للتفاوض. وإذا كان الرئيس الفنزويلي قد اختطف ووضع في قفص الاتهام الأمريكي بذريعة «الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات»، فإن غرينلاند ستُوضع اليوم في بازار الدول بذريعة «الأمن القومي والثروات الطبيعية». الحقيقة أن ترامب قد تعود على ممارسة “العنترة السياسية” وفق تغليب منطق القوة، على قوة المنطق. واللافت صراحة أن أوروبا التي طالما ادعت الاستقلالية الاستراتيجية، تبدو اليوم عاجزة مترنحة، فالدنمارك، الهادئة نسبيا، تقف في مواجهة عملاق لا يعرف سوى مصالحه المباشرة. وحلف الناتو، الذي كان من المفترض أن يكون مظلة أمان، يراقب المشهد وسط بحر من التشكك. فهل يتحرك في وجه الغول الاستعماري الجديد أم يبقى متفرجاً، مرتعداً متوجساً، بينما تجلس في المقعد الخلفي روسيا والصين تراقبان وتتلمسان الطريق إلى هزيمة مطامح “العم سام”؟ فشروخ حلف الأطلسي مغانم للدولتين، خاصة أمام مطامح ترامب «بكسر» ذلك الحلف من أجل جزيرة ثرية بثرواتها، وهو ما لا يهز كوبنهاغن فقط، بل يهز قواعد اللعبة التي حكمت العالم لعقود.
القصة ليست عن غرينلاند وحدها، ولا عن فنزويلا وحدها، إنها عن عقلية جديدة في إدارة العالم: عقلية «الصفقة الكبرى» حيث يُختزل البشر في أرقام، والدول في خرائط، والتحالفات في بنود قابلة للشطب. فمن سينضم للرئيس الفنزويلي في «سجن ترامب»؟ الدنمارك أم حلف شمال الأطلسي برمته؟ ننتظر ونرى!
كاتب فلسطيني
s.saidam@gmail.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد