النفط وفوقه بوسة

النفط وفوقه بوسة

09-01-2026 12:56 AM

في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، كانت أثينا وإسبرطة من أعظم المدن في العالم، حيث كانت أثينا المدينة التي لا تقهر والتي شكلت حلف الديليان في وقتها، المشابه لحلف الناتو، والذي من خلاله حكمت أثينا كل المناطق حولها صانعة الإمبراطورية الأثينية العظيمة، لكنها سرعان ما تحولت إلى الحكم الديكتاتوري العنيف، وعليه شنت إسبرطة عليها الحرب، لتدخل المنطقة كلها في صراع خرجت منه، ليس أثينا ولا إسبرطة ولكن مقدونيا، كأقوى مدينة في العالم. أما روما، ما بين القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، فكانت هي أقوى مدن العالم التي اكتسبت وقتها سمعة عنيفة مرعبة تجعل ملوك المدن المحيطة، إذا ما سمعوا بتوجه الجيش الروماني لها، يسلمون مفاتيح المدينة بشكل مباشر دون أدنى مقاومة، ومع ذلك لا يسلمون من القتل والحرق والإبادة التامة لمدينتهم. تلك مدن سادت ثم بادت، وما أبادها شيء مثل طمعها التوسعي وعنفها الإبادي الفادح. فالخوف يحكم إلى وقت، يُرضخ الآخرين إلى زمن، إلى أن يبلغ السيل الزبى ويسود الألم ويُقتل الأمل ولا يعود هناك معنى للخوف والحذر، فيثور الضعفاء وتنتهي الأسطورة.
لربما نحن نشهد نهاية أسطورة معاصرة، أسطورة «الإمبراطورية الأمريكية» التي فضحها وسيسرع من سقوطها الشفافية التي يوفرها الإعلام الإنترنتي والفضح التام لسياساتها الإجرامية وجرائمها السياسية والعسكرية. لا يساعد «الإمبراطورية» مطلقاً وجود رئيس «بايعها» على رأسها، رئيس آخذ في إطلاق لسانه بتصريحات وتهديدات لم يسمع العالم مثلها من قبل تماماً كما في إطلاق جيشه في عمليات والتي رغم أن العالم رأى لها مثيلاً من قبل، لكنها لم تكن مفضوحة بهذا الشكل وبهذه الدرجة من الوقاحة واللامبالاة. لأمريكا تاريخ «رائع» بدأ مع إبادة سكان أمريكا الأصليين، مروراً بالحرب على المكسيك، والتي هي الحرب المعروفة بأنها تلك التي لا يذكرها الأمريكان ولا ينساها المكسيكيون، طوافاً بمجازر الحرب العالمية الثانية التي أنهتها أمريكا بالتفجير النووي الوحيد في العالم لهيروشيما وناغازاكي، وصولاً إلى الحرب على فيتنام وكمبوديا ولاوس ثم أفغانستان ثم العراق، والآن «عودة» إلى أمريكا الجنوبية التي لم تتوقف أمريكا في يوم عن التدخل الفادح في شؤونها وعن اضطهاد سكانها وسرقة أراضيها وخيراتها.
لم يكتف ترامب باختطاف الرئيس الفينزويلي على مرأى ومسمع من العالم ودون أدنى اعتبار للقاونين الدولية وللأعراف الأممية، إنما يهدد ترامب الآن بوضوح ومباشرة بأنه قادم للرئيس الكولومبي الذي «سيكون هو القادم»، حسب تعبير ترامب. ليس ذلك فقط، ولكنه من خلال تصريحاته يقولها بصراحة ووضوح، بأن الهدف هو النفط الفينزويلي، وبأنه حتى لا يعرف ما سيفعل بهذا النفط بعد، يستخدمه؟ يخزنه؟ يصدره؟ لم يحسم أمره هذا الرجل بعد. إنها سياسة وسلوك وتصريحات وصراحة فجة قبيحة لم يسبق للعالم أن رأى لها مثيلاً.
لم تتعلم البشرية، ولم يدرك ترامب الدرس الذي قدمته إمبراطوريات عظيمة سابقة سادت وبادت، وما أنهاها تحديداً سوى تعنتها وطغيانها وعنفها الذي فاق صبر وتحمل البشر، بل وطغى على خوفهم ورعبهم. يحضرني كذلك مثال سلالة التشين الصينية التي حكمت الصين في القرن الثالث قبل الميلاد، حيث كانت من أقوى السلالات الحاكمة والتي وحدها نجحت في صنع إمبراطورية صينية موحدة، لتَسقط فقط بعد خمسة عشر سنة من حكمها، والسبب؟ عنفها وقسوتها وعدم تسامحها مع المختلف أو الغريب. ربما اختلفت الظروف اليوم، ربما لن يكون السقوط سريعاً كما كان سابقاً، لكنه سيكون بلا شك، وسيكون مدوياً وباهظ الثمن.
يعرف العالم كله اليوم أن الموضوع الفنزويلي الأمريكي ليس موضوع مخدرات، الموضوع موضوع نفط، كما كان سابقاً، بالنسبة للأمبراطوريات العظيمة البائدة على مدار تاريخ البشرية موضوع ذهب، موضوع أرض، موضوع مياه، أو مجرد موضوع موارد طعام. ترامب «عينه على» النفط الفنزويلي، والتي هي رغبة تزداد حدتها مع زيادة حدة الرغبة في إنهاء إيران كدولة كبرى. يقول المحللون السياسيون إن أمريكا ترمي لمساندة إسرائيل في ضرب إيران؛ أولاً لإنهاء أي مساندة لفلسطين، وثانياً للقضاء على إيران كدولة قوية في المنطقة ولإرضاخها بعد أو وقفت في وجه العنف والتهديد العسكري والاقتصادي الأمريكي على مدى سنوات طويلة. لكن ضرب إيران يعني بشكل مؤكد إغلاق مضيق هرمز، ما سيهدد النقل النفطي، فما الذي سيعوض؟ النفط الفينزويلي. خطة محكمة وواضحة ومقنعة في الواقع.
ماذا سيحدث في إيران؟ ستسقط الحكومة الدينية وسيأتي الأمريكان بحليف لهم، لربما ابن الشاه، ليحول الجمهورية الإسلامية إلى جمهورية ليبرالية، وليستبدل القمع الديني بقمع السافاك الذي كان على زمن والده. وهكذا تترتب «قطع الشطرنج» على الذائقة الأمريكية، ويصلهم النفط الذي يرغبون، وفوقه بوسة.
إلا أن التاريخ البشري يعلمنا أن هكذا طغيان لا يمكن أن يدوم، وأن هكذا وقاحة ترامبية لا يمكن أن يتم احتمالها مطولاً. النهاية قادمة؛ ومفارقةً، إما على أيدي الشرق آسيويين أو على أيدي الجنوب أمريكيين. نحن في الشرق الأوسط دورنا صامت، نحرك رؤوسنا متفرجين على المشهد، مرة يميناً، مرة يساراً، دون أن نصدر أي ضجة تزعج العالم. حلوين نحن.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

أبو السمن يوجّه كوادر الوزارة للتعاون مع الجهات الرسمية

أشغال إربد تواصل تعاملها الميداني مع مستجدات الظروف الجوية

الاتحاد الأوروبي: الأردن شريك محوري في دعم غزة إنسانياً

مؤتمر استثماري أوروبي في البحر الميت خلال نيسان المقبل

بلدية الرصيفة تنفذ عددا من الاجراءات الاحترازية للتعامل مع الاحوال الجوية

الإدارة المحلية: إغلاق بعض الطرق بسبب ارتفاع منسوب المياه

الأمن العام يُجدد تحذيراته للتعامل مع الحالة الجوية

أشغال الكرك تتعامل مع ارتفاع منسوب مياه على جسر الثنية والمرج

وزير الداخلية يتفقد غرفة عمليات جرش لمتابعة تداعيات الحالة الجوية

سقوط شجرة معمّرة على عمود كهرباء في جرش

الجيش السوري يعلن فتح ممر إنساني في حي الشيخ مقصود

عائلة تادرس تشكر المعزّين بوفاة الشاب صقر سليمان تادرس

بلدية شيحان تتعامل مع شارع كان مغلقًا نتيجة الانجرافات

انهيار أجزاء من واجهة مبنى في إربد .. ولا إصابات

باكستان تقترب من صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار للسودان